لَمَّا ذَكَّرَ اللهُ عِبَادَهُ بِنِعْمَةِ الْإِيجَادِ وَنِعْمَةِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوَاهِبِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّقْوَى وَعَدَمَ إِطْرَاءِ السَّلَفِ بِرَفْعِهِمْ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا وَقَعَ مِنَ الَّذِينَ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) (9: 31) ذَكَّرَهُمْ ثَانِيًا بِبَعْضِ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِالْعُبُودِيَّةِ ، فَقَالَ: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) بِمَا مَهَّدَهَا وَجَعَلَهَا صَالِحَةً لِلِافْتِرَاشِ وَالْإِقَامَةِ عَلَيْهَا وَالِارْتِفَاقِ بِهَا ، أَيْ فَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى جَلَائِلِ الْفِعَالِ ، الْعَظِيمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَالْإِجْلَالَ .
الْمُنْعِمُ بِجَمِيعِ النِّعَمِ ، الْجَدِيرُ بِأَعْلَى مَرَاتِبِ الشُّكْرِ ، جَعَلَ الْأَرْضَ بِقُدْرَتِهِ فِرَاشًا لِأَجْلِ مَنْفَعَتِكُمْ
(وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) مُتَمَاسِكًا لِكَيْلَا تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَتَسْحَقَكُمْ . السَّمَاءُ: مَجْمُوعُ مَا فَوْقَنَا مِنَ الْعَالَمِ .
وَالْبِنَاءُ: وَضْعُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ يَتَكَوَّنُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِصُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَقَدْ كَوَّنَ اللهُ السَّمَاءَ بِنِظَامٍ كَنِظَامِ الْبِنَاءِ ، وَسَوَّى أَجْرَامَهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمُشَاهَدَةِ وَأَمْسَكَهَا بِسُنَّةِ الْجَاذِبِيَّةِ فَلَا تَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَلَا يَصْطَدِمُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، إِلَّا إِذَا جَاءَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
وَبَطَلَ نِظَامُ هَذَا الْعَالَمِ لِيَعُودَ فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَالْوَاجِبُ مُلَاحَظَتُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، هُوَ تَصَوُّرُ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ ، وَسَعَةِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ .