ومعنى: {إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان: 57] أي: سبيلاً للمثوبة ، وسبيلاً للأجر من جهاد في سبيل الله ، أو صدقة على الفقراء . . إلخ .
وقوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ} [الفرقان: 57] تدل على التخيير في دَفْع الأجر ، فالرسول لا يأخذ إلا طواعية ، والأجر: {أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان: 57] من الجهاد والعمل الصالح ، فكأن أجر الرسول العمل للغير ، لتأخذ أنت الأجر من الله ، فالرسول لا يأخذ شيئاً لنفسه .
ونلحظ في آيات الأَجْر أنها جاءت مرة {أَجْراً} [الأنعام: 90] ومرة {مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان: 57] والبعض يرى أن (من) هنا زائدة ، وهذا لا يُقال في كلام الله ، عَيْب أن نتهم كلام الله بأن فيه زيادة ، فكلُّ حرف فيه له معناه .
وسبق أن ضربنا لمِنْ هذه مثلاً بقولنا: ما عندي مال ، وما عندي من مال . فالأولى نفَتْ أنْ يكون عندك مالٌ يُعتدُّ به ، لكن قد يكون عندك القليل منه ، أما القول الثاني فيعني نَفْي المال مطلقاً بدايةً مِمَّا يقال له مال ، إذن: فأيّهما أبلغ في النفي؟ فمِنْ هنا تفيد العموم .
لذلك يقول تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ} [المؤمنون: 72] لماذا؟ لأنه سيعطيك ويُكافئك على قَدْره هو ، وبما يناسب جُودَه تعالى وكرمه الذي لا ينفد ، أما الإنسان فسيعطيك على قَدْره وفي حدود إمكاناته المحدودة .
مَلْحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء ، وهي أحفَلُ السُّور بذِكْر مسألة الأجر ، حيث تعرَّضَتْ لموكب الرسل ، فذكرت ثمانية هم: موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب .
تلحظ أن كل هؤلاء الرسل قالوا: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين} [الشعراء: 109] عدا إبراهيم وموسى عليهما السلام لم يقولا هذه الكلمة ، لماذا؟