قال الفراء، والزجاج: واحد الأناسي إنسي، مثل: كرسي، وكراسي. ويجوز أن يكون الأناسي جمع إنسان، وتكون الياء الأخيرة بدلًا من النون؛ الأصل: أناسِين بالنون، مثل: سراحين.
قال الفراء: وإذا قالوا: أناسين، فهو بَيِّن مثل: بستان وبساتين. قال: ويجوز: أناسيَ، مخففة الياء، أسقطوا الياء التي تكون فيما بين لام الفعل، وعينه، مثل: قراقير وقراقر. قال: وتقول العرب: أناسيةٌ كثيرة. وإنما قال: كثير، ولم يقل: كثيرون كما قال: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] لأنه قد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، نحو قوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] وقد مرَّ. وقوله: {وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ} [المعارج 11،10] فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة. وذكرنا هذا عند قوله: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء 46، 155] . ومثل هذا في هذه السورة قوله: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: 38] .
50 -قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} أكثر هذه الآية قد ذُكرت في سورة: سبحان، وفسرناها هناك. وفسرت هذه الآية هنا تفسيرًا آخر؛ أي: صرفنا الماء المنزل من السماء سقيًا لهم، وغيثًا، وهو: المطر، مرة لهذه البلدة، ومرة لبلدة أخرى.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام،
ولكن الله يصرفه في الأرض، ثم قرأ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} . وهذا كما روى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار".
وقوله: {لِيَذَّكَّرُوا} قال مقاتل: ليعتبروا، ويتفكروا في ذلك، فيستدلوا به على التوحيد. وقال أبو إسحاق: ليتفكروا في نعم الله علهم فيه، ويحمدونه على ذلك.