وأما قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] فإن الله تعالى لما وصف الماء في الدنيا بالطهارة فجعله طَهورًا، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصَفَ ذلك الشراب أيضًا هذا الوصف لنعتقد فيه من الطهارة، ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء. فإن قيل: لو كان المراد بالطَّهور ما ذكرتَه لَمَا سُمِّي طَهورًا إلا بعد أن يُطَّهِر فهذا ساقط، ومذهب العرب بخلاف هذا؛ ألا ترى أنهم يسمُّون الطعام الذي يُفطَر عليه: فَطورًا، وكذلك: السَّحور، ويُسمون الشعير: قَضيمًا قبل أن يُقضم، ويقولون: ما
في دار فلان مأكولٌ، ولا مشروبٌ، أي: ما أعد له. وكل وصف يجري على الموصوف للمبالغة فإنه يكون لما مضى، والحال، والاستقبال، كما تقول: فلان شَكور للنعم، لا يُراد: إنه شكر فيما مضى، بل يراد به: شاكرٌ في الحال والاستقبال. وهذا واضح بيِّن - إن شاء الله - انتهى كلامه.
فأما التفسير؛ فقال ابن عباس، في قوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} يريد: المطر. وقال مقاتل: بل طهورًا للمؤمنين.
49 -قوله تعالى: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} قال ابن عباس: لنخرج فيها الثمار والنبات. وقال مقاتل: لنحيي بالمطر بلدة ليس فيها نبت.
قال أبو إسحاق: قيل: ميتًا، ولفظ البلدة مؤنث؛ لأن معنى البلدة، والبلد، واحد.
وقال غيره: أراد بالبلدة المكان، كقول الشاعر:
ولا أرضَ أبقلَ إبْقَالَها
ذهب بلفظ الأرض إلى المكان.
قوله تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} تقدم الكلام في السقي، والإسقاء، عند قوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] ، قال ابن عباس: ونسقي من ذلك الماء أنعامًا، ونسقي من ذلك الماء أيضًا بشرًا كثيرًا، وهو قوله: {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا}