قوله جل ذكره: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحِْىَ بِهِ بَلَدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} .
أنزل من السماء ماء المطرِ فأحيا به الغياضَ والرياضَ، وأنبت به الأزهار والأنوار، وأنزل من السماء ماء الرحمةِ فغَسَلَ العصاةُ ما تلطخوا به من الأوضار، وما تدنَّسوا به من الأوزار.
و {الطَّهُور} هو الطاهرُ المُطَهِّرُ، وماءُ الحياء يُطِهرُ قلوبَ العارفين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأحيان من الغفلات. وماء الرعاية يُحْيِي به قلوبَ المشتاقين بما يتداركها من أنوار التجلِّي حتى يزول عنها عَطَشُ الاشتياق ويحصل فيها من سكينة الاستقلال، ويحيي به نفوساً ميتةً باتباع الشهوات فيردها إلى القيام بالعبادات.
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51)
إنَّ الله - سبحانه - خصَّ نبينا صلى الله عليه وسلم بأن فضَّله على الكافة، وأرسله إلى الجملة، وبألا يُنْسَخَ شَرْعُه إلى الأبد. وبهذه الآية أدَّبه بأدقِّ إشارة، حيث قال: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} وهذا كما قال: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] .
وَقَصْدُ الحقِّ أن يكون خواصُّ عباده أبداً معصومين عن شواهدهم.
وفي القصة أن موسى عليه السلام تَبَرَّمَ وقتاً بكثرة ما كان يُسْأل، فأوحى الله في ليلة واحدة إلى ألف نبي من بني إسرائيل فأصبحوا رُسلاً، وتفرَّقَ الناسُ عن موسى عليه السلام إليهم عليهم السلام، فضاق قلبُ موسى وقال: يا رب، إني لا أطيق ذلك! فقبض اللَهُ أرواحهم في ذلك اليوم.