وللدلالة على هذا الملحظ، فقد وردت المادة في صوتها الحالم هذا مقترنة بالمس الرفيق لاستخلاص الأمرين في حالتي، السراء والضراء، الشر والخير، كما في كل من قوله تعالى:
أ ـ (وقالوا قد مس ءابآنا الضرآء والسرآء) .
ب ـ (إن الإنسان خلق هلوعاً * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعاً) .
فالضراء تمسهم إذن، والسراء تمسهم كذلك، والشر يمسهم والخير كذلك، ولم يشأ القرآن العظيم تغيير المادة بل اللفظ عينه في الحالتين، وذلك للتعبير عن شدة الملابسة والملامسة والالتصاق.
وكما ورد اللفظ في مقام الضر منفرداً في أغلب الصيغ، وورود مثله جامعاً لمدركي الخير والشر، فقد ورد للمس الجميل خاصة في قوله تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم) .
وقد ينتقل هذا اللفظ بدلائله إلى معان آخر، لا علاقة لها بهذا الحديث دلالياً، وإن تعلقت به صوتياً، كما في إشارة القرآن إلى المس بمعنيين مختلفين أخريين.
الأول: كنى فيه بالمس عن النكاح في كل من قوله تعالا:
أ ـ (قالت أنا يكون لي غلام ولم يمسسني بشر) .
ب ـ (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) .
الثاني: وقد عبر فيه بالمس عن الجنون كما في قوله تعالا:
(الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس) .
وقد اجتمعت كلها في طبيعة الصوت.
الألفاظ دالة على الأصوات:
توافرت طائفة من الألفاظ الدقيقة عند إطلاقها في القرآن، وتتميز هذه الدقة بكون اللفظ يدل على نفس الصوت، والصوت يتجلى فيه ذات اللفظ، بحيث يستخرج الصوت من الكلمة، وتؤخذ الكلمة منه، وهذا من باب مصاقبة الألفاظ للمعاني بما يشكل أصواتها، فتكون أصوات الحروف على سمت الأحداث التي يراد التعبير عنها.