يقول ابن جني (ت: 392 هـ) «فأما مقابلة الألفاظ بما يشكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، ونهج متلئب عند عارفيه مأموم، وذلك أنهم كثيراً مايجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها، فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره، وأضعاف ما نستشعره، ومن ذلك قولهم: «خضم وقضم، فالخضم لأكل الرطب ... والقضم لأكل اليابس» .
ونضع فيما يأتي أمثلة لهذا الملحظ في بعض ألفاظ القرآن العظيم:
1 ـ مادة «خر» توحي في القرآن بدلالتها الصوتية بأن هذا اللفظ جاء متلبساً بالصوت على سمت الحديث في كل من قوله تعالى:
أ ـ (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء) .
ب ـ (فخر عليهم السقف من فوقهم) .
جـ ـ (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب) .
د ـ (فأستفغر ربه وخر راكعا وأناب) .
فإن هذا اللفظ وقد جاء بصيغة واحدة في عدة استعمالات، يدل بمجمله على السقوط والهوي، وهذا السقوط، وذلك الهوي: مصحوبان بصوت ما، وهذا الصوت هو الخرير، والخرير هو صوت الماء، أو صوت الريح، أو صوتهما معا، فالحدث على هذا مستل من جنس الصوت، ومن هنا يستشعر الراغب (ت: 502 هـ) دلالة اللفظ الصوتية فيقول:
«فمعنى خرّ سقط سقوطاً يسمع منه خرير، والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو؛ ..
وقوله تعالى: (خروا سجدا) فاستعمال الخر تنبيه على اجتماع أمرين: السقوط، وحصول الصوت منهم بالتسبيح، وقوله من بعده (وسبحوا بحمد ربهم) . فتنبيه أن ذلك الخرير كان تسبيحاً بحمد الله لا بشيء آخر».
ووجه الدلالة فيما يبدو أن الخر يأتي بمعنى السقوط من شاهق، وأن الخرير إنما يستعمل لصوت الماء أو الريح أو الصدى محاكياً لهذا اللفظ في ترديده، فلم يرد مجرد السقوط من «خر» وإنما أراد الصوت مضافاً إليه الوقوع والوجبة في إحداث هذا الصوت، وكانت هذه الإضافة الدلالية صوتية سواءً أكانت في صوت الماء، أم بالوقوع والسقوط، أم بالتسبيح. والله أعلم.