ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم علم الله جلّ وعزّ. إنّ الصلاح في إنزاله متفرّقا لأنهم ينبّهون به مرّة بعد مرّة ولو نزل جملة لزال معنى التنبيه، وفيه ناسخ ومنسوخ فكانوا يعبّدون بالشيء إلى وقت بعينه قد علم الله جلّ وعزّ فيه الصلاح ثم ينزل النسخ بعد ذلك فمحال أن ينزل جملة افعلوا كذا وكذا، ولا تفعلوا، والأولى أن يكون التمام «جملة واحدة» لأنه إذا وقف على «كذلك» صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزّبور، ولم يتقدّم لهما ذكر. قال أبو إسحاق: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} أي أنزلناه. قيل:
الترتيل وهو التمكّث وهو ضدّ العجلة.
[سورة الفرقان (25) : آية 34]
{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34) }
{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ} في موضع رفع الابتداء وخبره في الجملة.
وقد ذكرنا معناه المروي مرفوعا. وقد قيل: هو تمثيل، كما تقول: جاءني على وجهه، أي كارها.
[سورة الفرقان (25) : آية 35]
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً (35) }
{وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ} على البدل. {وَزِيراً} مفعول ثان. والوزير في اللغة المعاون الذي يلجأ إليه صاحبه مشتقّ من الوزر وهو الملجأ. قال الله جلّ وعزّ {كَلَّا لَا وَزَرَ} [القيامة: 11] .
[سورة الفرقان (25) : آية 36]
{فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً (36) }
قال الفراء: إنما أمر موسى صلّى الله عليه وسلّم بالذهاب وحده في المعنى، وهذا بمنزلة قوله:
{نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] ، وبمنزلة قوله {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما. قال أبو جعفر: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ
به على كتاب الله جلّ وعزّ وقد قال جلّ ثناؤه {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغى} [طه: 44، 45] ونظير هذا في قوله:
{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن: 62] ، وقد قال جلّ ثناؤه {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} [المؤمنون: 45] .