وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي الْأَدَاءِ، وَالدُّعَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ الْقِتَالُ، وَقَالَ آخَرُونَ: كِلَاهُمَا، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَالْأَمْرُ بِالْقِتَالِ وَرَدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِزَمَانٍ وَإِنَّمَا قَالَ: (جِهادًا كَبِيرًا لِأَنَّهُ لَوْ بَعَثَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ نَذِيرٍ مُجَاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فَاجْتَمَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّه تِلْكَ الْمُجَاهَدَاتُ وَكَثُرَ جِهَادُهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَظُمَ فَقَالَ لَهُ: وَجاهِدْهُمْ بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كَافَّةِ الْقُرَى جِهادًا كَبِيرًا جَامِعًا لِكُلِّ مجاهدة.
(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا(53)
وهاهنا سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) ؟
الْجَوَابُ: هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَقُولُهَا الْمُتَعَوِّذُ وقد فسرناها، وهي هاهنا وَاقِعَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِنْ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ لَهُ حِجْرًا مَحْجُورًا، كَمَا قَالَ: (لَا يَبْغِيانِ) [الرَّحْمَنِ: 20] أَيْ لَا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْمُمَازَجَةِ فانتفاء البغي ثمة «1» كالتعوذ، وهاهنا جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صُورَةِ الْبَاغِي عَلَى صَاحِبِهِ، فَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الِاسْتِعَارَاتِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لَا وُجُودَ لِلْبَحْرِ العذب، فكيف ذكره اللَّه تعالى هاهنا؟
لَا يُقَالُ: هَذَا مَدْفُوعٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْأَوْدِيَةُ الْعِظَامُ كَالنِّيلِ وَجَيْحُونَ الثَّانِي: لَعَلَّهُ جَعَلَ فِي الْبِحَارِ مَوْضِعًا يَكُونُ أَحَدُ جَانِبَيْهِ عَذْبًا وَالْآخَرُ مِلْحًا، لِأَنَّا نَقُولُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْدِيَةَ لَيْسَ فيها ماء مِلْحٌ، وَالْبِحَارُ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ عَذْبٌ، فَلَمْ يَحْصُلِ ألْبَتَّةَ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ.