وَسَادِسُهَا: أَنَّ الْبَهَائِمَ تُسَبِّحُ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى مَا قَالَ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الْإِسْرَاءِ: 44] وَقَالَ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ) إِلَى قَوْلِهِ: (وَالدَّوَابُّ) [الْحَجِّ: 18] وَقَالَ: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) [النُّورِ: 41] وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَضَلَالُ الْكُفَّارِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ ضَلَالِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا نَفَى عَنْهُمُ السَّمْعَ وَالْعَقْلَ، فَكَيْفَ ذَمَّهُمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ الدِّينِ وَكَيْفَ بَعَثَ الرَّسُولَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ التَّكْلِيفِ الْعَقْلَ؟
الْجَوَابُ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ بَلْ إِنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ الْعَقْلِ، فَهُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ إِذَا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم.
(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا(45) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
«فَإِنْ قِيلَ» : الظِّلُّ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الضَّوْءِ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُضِيءَ، فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِالْأَمْرِ الْعَدَمِيِّ عَلَى ذَاتِهِ، وَكَيْفَ عَدَّهُ مِنَ النِّعَمِ؟
قُلْنَا: الظِّلُّ لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ أَضْوَاءٌ مَخْلُوطَةٌ بِظُلَمٍ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الظِّلَّ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّوْءِ الثَّانِي وَهُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، وَفِي تَحْقِيقِهِ وَبَسْطِهِ كَلَامٌ دَقِيقٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى كُتُبِنَا الْعَقْلِيَّةِ.
(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُورًا(48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (49)
وَفِيهِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ قَالَ (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) وَلَمْ يَقُلْ مَيْتَةً؟
الْجَوَابُ: لِأَنَّ الْبَلْدَةَ فِي مَعْنَى الْبَلَدِ فِي قَوْلِهِ: (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ) [فَاطِرٍ: 9] .
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا الْمُرَادُ مِنْ حَيَاةِ الْبَلَدِ وَمَوْتِهَا؟