أي أنه من هذا الاحتكاك بين الحقّ الذي يدعو إليه الرسول أو النبيّ ، وبين الباطل الذي يلقى به الشيطان وأولياء الشيطان فِي وجه هذا الحق - فِي هذا الاحتكاك تنقدح شرارات مضيئة ، يرى أهل العلم والمعرفة على ضوئها فرق ما بين الحق والباطل ، فتزداد معرفتهم بالحق ، ويقوى تعلقهم به ، واطمئنان قلوبهم وإخباتها له .. « وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ، بهذا الصراع الذي يقوم بين الحق والباطل ، فلا يعشى أبصارهم عن الحق هذا الغبار الذي يثيره الباطل والمبطلون فِي وجهه ، بل إن ذلك ليزيد من نور الحق ، ويضاعف من جلاله وروائه .. كالشمس ، يحجبها السحاب ، فإذا انقشع السحاب وسفرت عن وجهها ، كانت أحسن حسنا وأبهى بهاء .. إن ذلك شأن كلّ ضدّ يلتقى بضده .. فالحسن يزداد مع القبيح حسنا ، والحلو يكون بعد مذاق المرّ أحلى مذاقا وألذّ طعما .. والعافية بعد السّقم ، تكون أهنأ وأطيب منها فِي جسد لم تصادفه علة ، أو يلحّ عليه مرض .. وفى المثل: « بضدها تتميز الأشياء » .
ثم يجيء بعد هذا قوله تعالى:
« وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ » .
الضمير فِي « منه » يعود إلى القرآن الكريم ، الذي وإن لم يجر له ذكر فيما سبق ، فهو مذكور كأصل أصيل للحق الذي يجادل فيه الذين فِي قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ..
أما القاسية قلوبهم - وهم مشركو العرب - فستلين قلوبهم آخر الأمر ، وسيؤمنون باللّه ، وينقادون للحق ..
وأما الذين فِي قلوبهم مرض - وهم أهل الكتاب - وخاصة اليهود ، فإنهم لن يتحولوا عن حالهم مع القرآن ، بل سيظلون على امترائهم وجدلهم فيه .. وهذا شأنهم أبدا حتى تأتيهم الساعة ، بل إن كثيرا منهم سيظل على امترائه حتى يرى عذاب اللّه فِي هذا اليوم العظيم ..