(فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) أي فيزيل سبحانه تلك الخرافات التي علقت ببعض النفوس ، بأن يقيّض للدين من يدافع عنه ويدفع الشبهات ، ثم يجعل آياته محكمة مثبتة لا تقبل الرد بحال.
وخلاصة ذلك - إن اللّه حين أنزل القرآن وقرأه الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال المشركون فيه ما قالوا ، ثم لما استبان الحق وجاءت غزوة بدر ونصر اللّه المسلمين الذين بشرهم كتابه بالنصر على أعدائهم: « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » استتب لهم الأمر ودخل أعداؤهم فِي دينهم أفواجا « وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا » . وما مثل هذا إلا مثل النباتات الطّفيلية التي تنبت فِي الأرض بجانب ما يزرع فيها من حنطة وفول وغيرهما مما يحتاج إليه الناس ، ولا تزال تتغذى من الأرض وتأخذ غذاء النبات النافع ، فلا يهدأ للزارع بال حتى يزيلها ويوفّ غذاءها للنبات الذي هو فِي أشد الحاجة إليه.
وما أشبه الليلة بالبارحة ، فإنك الآن لترى أهل أوربا يرسلون الجيوش من القساوسة التي تفتح المدارس فِي بلاد الشرق ويقولون للمسلمين: إن دينهم محشو بالخرافات والأكاذيب ويشككون فيه من تعلموا فِي تلك المدارس ، ويصدق بعض غوغائهم تلك الأباطيل ، حتى لقد قالوا إن هذا الدين لا يعيش فِي ظل العلم ، ولا يقبل الأفكار والآراء الراقية ، وهو والعلم عدوان لا يجتمعان ، ومما جعل لهم بعض المعذرة فيما يقولون ، حال المسلمين من الخمول وسوء الأحوال ، وقبيح المعتقدات والأعمال مما جعلهم مضغة فِي أفواه الأمم المتمدينة: « كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ » .