ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي ...} .
نزلتْ هذه الآية في"أهل الصُّفَّة"وهم جماعة من أهل الله انقطعوا للعبادة فتناولتهم ألسنة الناس واعترضوا عليهم ، لماذا لا يعملون؟ ولماذا لا يشتغلون كباقي الناس؟ بل وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: نريد أن تلتفت إلينا ، وأن تترك هؤلاء المجاذيب ، فأنزل الله تعالى: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم . .} [الكهف: 28]
لذلك علينا حينما نرى مثل هؤلاء الذين نُسمِّيهم المجاذيب الذين انقطعوا لعبادة الله أن لا نحتقرهم ، ولا نُقلِّل من شأنهم أو نتهمهم ؛ لأن الله تعالى جعلهم موازين للتكامل في الكون ، ذلك أن صاحب الدنيا الذي انغمس فيها وعاش لها وباع دينه من أجل دُنْياه حينما يرى هذا العابد قد نفض يديه من الدنيا ، وألقاها وراء ظهره ، وراح يستند إلى حائط المسجد مُمدّداً رجلاً ، لا تعنيه أمور الدنيا بما فيها .
ومن العجيب أن صاحب الدنيا هذا العظيم صاحب الجاه تراه إنْ أصابه مكروه أو نزلتْ به نازلة يُهْرَع إلى هذا الشيخ يُقبّل يديه ويطلب منه الدعاء ، وكأن الخالق سبحانه جعل هؤلاء المجاذيب ليرد بهم جماح أهل الدنيا المنهمكين في دوامتها المغرورين بزهرتها .
وأيضاً ، كثيراً ما ترى أهل الدنيا في خِدْمة هؤلاء العباد ، ففي يوم من الأيام قُمْنا لصلاة المغرب في مسجد سيدنا الحسين ، وكان معنا رجل كبير من رجال الاقتصاد ، فإذا به يُخرج مبلغاً من المال ويطلب من العامل صرفه إلى جنيهات ، فأتى العامل بالمبلغ في صورة جنيهات من الحجم الصغير ، فإذا برجل الاقتصاد الكبير يقول له: لا ، لا بُدَّ من جنيهات من الحجم الكبير ؛ لأن فلاناً المجذوب على باب الحسين لا يأخذ إلا بالجنيه الكبير ، فقلت في نفسي: سبحان الله مجذوب على باب المسجد وشغل أكبر رجل اقتصاد في مصر ، ويحرص الرجل على إرضائه ويعطيه ما يريد .