والجواب: أن حالة الكبر أرذل باعتبار ضعف القوى، وحالة الصغر أرذل باعتبار الجهل، وليس مستقيمًا لتناقض التعليل بـ"لكي"، فيصير المعنى: ومنكم من يرد إلى الجهل لكيلا يعلم. وسب العلم يستلزم الجهل، فكأنه يقول جعلتك جاهلاً لتصير جاهلاً، وذلك غير مستقيم في الاستعمال.
قوله عز وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} (16: 78)
"شيئًا"هاهنا مفعول به، و"العلم"بمعنى المعرفة، ولا يجوز أن يكون العلم باقيًا على بابه. ويكون"شيئًا"مصدرًا، تقديره: تعلمون علمًا، لوجهين:
الأول: أنه يلزم حذف المفعولين، وهو على خلاف الأصل. إذ الأصل أن ينطق بجملة الكلام.
الثاني: أنه لو كان باقيًا لكان الناس يعلمون المبتدأ الذي هو أحد المفعولين، قبل الخروج من البطون، لكن ذلك محال لاستحالة العلم على من لم يولد.
بيانه وذلك: أنا إذا قلنا:"علمت زيدا مقيما"، فيجب أن يكون العلم بزيد متقدمًا. قبل هذا العلم، وهذا العلم إنما يتعلق بإقامته. وكذلك إذا قلت:"ما علمت زيدا مقيما"، فالذي لم يعلم هو إقامته، وأما هو فمعلوم وذلك مستفاد من جهة الوضع، فحيث أثبت العلم أو نفي، فلا بد أن يكون المفعول الأول معلومًا، فيتعين حمل العلم هاهنا على المعرفة.
سؤال: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} (16: 91) .
هل قوله سبحانه وتعالى:"إذا عاهدتم"تأكيد أو يفيد فائدة؟
والجواب: أن"العهد"أطلق في القرآن في مواضع كثيرة والمراد به العهد الذي أخذ علينا يوم الذر، لما قال سبحانه: {ألست بربكم} . قلنا: بلى. والمقصود الأهم في هذه الآية، الوفاء بالعهد الذي يقع بيننا، فأتى بـ"إذا"متضمنة للشرط للدلالة على الاستقبال احترازًا من توهم العهد الماضي يوم الذر، وأنه المراد بالآية فيتعين المقصود بالآية.
فإن قلت: لو حذفت الشرط لكانت الآية عامة فيهما فيحصل المقصود مع زيادة أخرى لأنه اسم جنس أضيف، فيعم، ويكون ذلك أكثر لفوائد اللفظ.