قلت: هذا خلاف المختار الأفصح، فإن الإنسان إذا أراد مثلاً أن يسافر إلى الغزو، وأراد أن يوصي على عياله الإمام أو غيره، فينبغي على ذلك أن يقول:"استوصوا بنساء المدينة وأولادها"من غير تعيين عياله بلفظ يخصهم، ليكون لفظه أكثر فائدة، ويحصل المقصود مع غيره، مع أنه لو فعل ذلك عد تهاونًا في الوصية على عياله، وربما يقال: إنه لم يوص عليهم البتة، لأنه لما أعرض عن التنصيص عليهم دل ذلك على أنهم لم يخطروا بباله. فقاعدة العرب أن المهتم به ينص [عليه] ولا يلاحظ ما ذكرت. وهذه قاعدة مطردة في"الكتاب"
العزيز"فاحتفظ بها، نحو قوله عز وجل: {وكذلك نصرف الآيات} "بالألف واللام"التي هي للعموم، ونحو ذلك من المواضع. فإن أكثر المفسرين على أن هذا العام مخصوص بما تقدم في السياق من الآيات، إذ هو المقصود. فظهر للتقييد بـ"إذا عاهدتهم"فائدة [غير التأكيد] ."
فائدة: الفرق بين العهد والميثاق واليمين، أن العهد هو إلزام والتزام، سواء كان فيه يمين أو لم يكن. والميثاق هو العهد المؤكد باليمين. واليمين معروفة.
قوله عز وجل: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} ... (16: 124)
أصل"السبت"القطع. وسمي اليوم بذلك لأن بني إسرائيل كانوا ينقطعون فيه للعبادة، ولأن الله عز وجل قطع الخلق فيه وابتدأ الخلق. فكان أول الخلق في يوم الأحد وآخره في يوم الجمعة. وكان موسى عليه السلام قد أمره الله عز وجل أن يأمر بني إسرائيل أن ينقطعوا لله عز وجل يوم الجمعة. فأبوا إلا يوم السبت، وكذلك النصارى أمروا بتعظيم الجمعة، فأبوا إلا يوم
الأحد. وقالوا: لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود، فلما امتنع اليهود، واختلفوا على موسى عليه السلام في ذلك، فرضه الله عز وجل عليهم. والمختلف فيه هو الوقت دون السبب على الذين اختلفوا فيه فالضمير المجرور في الآية عائد على محذوف، ويكون هذا عامًا مخصوصًا بالنصارى لأنهم اختلفوا في وقت التعظيم أيضًا.
ومن الناس من قال غير ذلك، وهو غير صحيح. انتهى انتهى {فوائد في مشكل القرآن، للعز بن عبد السلام. ص/ 146 - 156} ...