وكذلك، لو قال قائل مذنب على طريق الجد: لو شاء الله ما أذنبت، ولو شاء الله ما قتلت النفس، لم يكن بذلك كافراً ولا منقوصاً، وكان كلامه حسناً.
وإنما قبح كلام أولئك وكان كفراً لأنهم قالوه على طريق الهزء لا على طريق الجد.
وقد اتفقت الأمة أن الله لو شاء ألا يعبد غيره لم يكن إلا ذلك.
ولكنه تبارك وتعالى وفق من أحب إلى ما يرضيه بتوفيقه، وأضل من أحب ضلاله بخذلانه له.
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(38)
وتأول قوم من أهل البدع أن علياً رضي الله عنه يبعث قبل يوم القيامة بهذه الآية، فسئل عن ذلك ابن عباس، فقال: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ولعمري لو كان علي مبعوثاً قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه.
قال أبو العالية: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه وكان مما تكلم به المسلم أن قال: والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا.
فقال المشرك: تزعم أنك تبعث بعد الموت؟ فأقسم بالله جهد يمينه لا يبعث الله من يموت.
فأنزل الله عز وجل {وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الآية.
(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(40)
معناه: إنما قولنا لشيء مراد، قلنا له كن فيكون. وهذا إنما هو مخاطبة للعباد بما يعقلون، وإلا فما أراده تعالى فهو كائن على كل حال، على ما أراده من الإسراع. لو أراد، تعالى ذكره خلق الدنيا والسماوات والأرض وما بين ذلك في قدر لمح البصر، لقدر على ذلك. ولكن خوطب العباد بما يعقلون فأعلمهم بسهولة خلق الأشياء عليه وأنه متى أراد الشيء كان. وإذا قال له كن فكان، أي: فيكون على حسب الإرادة وليس هذا الشيء المذكور موجوداً قبل أن يقول له كن.