الوجه الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُعْطِي لِكُلِّ الْخَيْرَاتِ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ شَرِيكًا فَقَدْ أَضَافَ إِلَيْهِ بَعْضَ تِلْكَ الْخَيْرَاتِ فَكَانَ جَاحِدًا لِكَوْنِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ أَهْلَ الطَّبَائِعِ وَأَهْلَ النُّجُومِ يُضِيفُونَ أَكْثَرَ هَذِهِ النِّعَمِ إِلَى الطَّبَائِعِ وَإِلَى النُّجُومِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُمْ جَاحِدِينَ لِكَوْنِهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالوجه الثَّانِي: قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَرَّرَ هَذِهِ الدَّلَائِلَ وَبَيَّنَهَا وَأَظْهَرَهَا بِحَيْثُ يَفْهَمُهَا كُلُّ عَاقِلٍ، كَانَ ذَلِكَ إِنْعَامًا عَظِيمًا مِنْهُ عَلَى الْخَلْقِ، فَعِنْدَ هَذَا قَالَ: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ) فِي تَقْرِيرِهِ هَذِهِ الْبَيَانَاتِ وَإِيضَاحِ هَذِهِ الْبَيِّنَاتِ (يَجْحَدُونَ) .
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ(73)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ) فَعَبَّرَ عَنِ الْأَصْنَامِ بِصِيغَةِ «مَا» وَهِيَ لِغَيْرِ أُولِي الْعِلْمِ، ثم قال: (وَلا يَسْتَطِيعُونَ) وَالْجَمْعُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ مُخْتَصٌّ بِأُولِي الْعِلْمِ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهَا بِلَفْظِ «مَا» اعْتِبَارًا لِمَا هُوَ الْحَقِيقَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَذَكَرَ الْجَمْعَ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ اعْتِبَارًا لِمَا يَعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا آلِهَةٌ.
(فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(74)
قولُهُ تَعَالَى: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَعْنِي لَا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ.
الثَّانِي: قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ لَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ مَثَلًا، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا مِثْلَ لَهُ.