الثَّالِثُ: أَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْوَاحِدُ مِنَّا بَلْ نَحْنُ نَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ أَوْ نَعْبُدُ هَذِهِ الْأَصْنَامَ، ثُمَّ إِنَّ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ عَبِيدُ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ الْأَعْظَمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْعُرْفُ، فَإِنَّ أَصَاغِرَ النَّاسِ يَخْدِمُونَ أَكَابِرَ حَضْرَةِ الْمَلِكِ، وَأُولَئِكَ الْأَكَابِرُ يخدمون الملك فكذا هاهنا فَعِنْدَ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ اتْرُكُوا عِبَادَةَ هَذِهِ الْأَصْنَامِ وَالْكَوَاكِبِ وَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا وَكُونُوا مُخْلِصِينَ فِي عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْحَكِيمِ الْقَدِيرِ.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(75)
فِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ قَالَ: (مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) وَكُلُّ عَبْدٍ فَهُوَ مَمْلُوكٌ وَغَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التَّصَرُّفِ؟
قُلْنَا: أَمَّا ذِكْرُ الْمَمْلُوكِ فَلِيَحْصُلَ الِامْتِيَازُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ لِأَنَّ الْحُرَّ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأما قوله: (لَا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) قَدْ يَحْصُلُ الِامْتِيَازُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَقْدِرَانِ عَلَى التَّصَرُّفِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: (مَنْ) فِي قَوْلِهِ: (وَمَنْ رَزَقْناهُ) مَا هِيَ؟
قُلْنَا: الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: وَحُرًّا ورزقناه لِيُطَابِقَ عَبْدًا، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لِمَ قَالَ: (يَسْتَوُونَ) عَلَى الْجَمْعِ؟
قُلْنَا: مَعْنَاهُ هَلْ يَسْتَوِي الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ.
(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ)