وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَحْيَ قَدْ وَرَدَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ لِقوله تَعَالَى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) [الشُّورَى: 51] وَفِي حَقِّ الْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) [الْمَائِدَةِ: 111] وَبِمَعْنَى الْإِلْهَامِ فِي حَقِّ الْبَشَرِ قَالَ تَعَالَى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى) [الْقَصَصِ: 7] وَفِي حَقِّ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَعْنًى خَاصٌّ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) وَهَلَّا قِيلَ فِي الْجِبَالِ وَفِي الشَّجَرِ؟
قُلْنَا: أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ، وَأَنْ لَا تَبْنِيَ بُيُوتَهَا فِي كُلِّ جَبَلٍ وَشَجَرٍ، بَلْ فِي مَسَاكِنَ تُوَافِقُ مَصَالِحَهَا وَتَلِيقُ بِهَا.
* ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا) أَمْرٌ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِهَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ عُقُولٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ وَنَهْيٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا غَرَائِزَ وَطَبَائِعَ تُوجِبُ هَذِهِ الْأَحْوَالَ، وَالْكَلَامُ الْمُسْتَقْصَى فِي هَذِهِ المسألة مذكور في تفسير قوله تَعَالَى: (ياأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ) [النَّمْلِ: 18] .
(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(71)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِيرُونَ جَاحِدِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ؟
قُلْنَا: فِيهِ وَجْهَانِ: