قلنا: أفرد نظرا إلى لفظ ما، وجمع نظرا إلى معناها، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) [النحل: 12، 13] أفرد الضمير نظرا إلى لفظها، وجمع الظهور نظرا إلى معناها.
[555] فإن قيل: ما فائدة نفي استطاعة الرزق بعد نفي ملكه والمعنى واحد؛ لأن نفي ملك الفعل هو نفي استطاعته، والرزق هنا اسم مصدر بدليل إعماله في «شيئا» ؟
قلنا ليس في يستطيعون ضمير مفعول هو الرزق؛ بل الاستطاعة منفية عنهم مطلقا؛ معناه لا يملكون أن يرزقوا، ولا استطاعة لهم أصلا في رزق أو غيره لأنهم جماد.
الثاني: أنه لو قدر فيه ضمير مفعول على معنى ولا يستطيعونه كان مفيدا أيضا على اعتبار كون الرزق اسما للعين؛ لأن الإنسان يجوز أن لا يملك الشيء ولكن يستطيع أن يملكه بخلاف هؤلاء فإنهم لا يملكون ولا يستطيعون أن يملكوا.
[556] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (مَمْلُوكاً بعد قوله: (عَبْداً وما فائدة قوله: (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ بعد قوله:(مَمْلُوكاً) [النحل: 75] ؟
قلنا: لفظ العبد يصلح للحر والمملوك؛ لأن الكل عبيد الله تعالى، قال الله تعالى: (وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ) [ص: 30] فقال مملوكا لتمييزه عن الحر، وقال: (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) [النحل: 75] ؟ لتمييزه عن المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف والاستقلال.
[557] فإن قيل: المضروب به المثل اثنان وهما المملوك والمرزوق رزقا حسنا فظاهره أن يقال هل يستويان، فكيف قال تعالى: (يَسْتَوُونَ) [النحل: 75] ؟
قلنا: لأنه أراد جنس المماليك وجنس المالكين لا مملوكا معيّنا ولا مالكا معينا.
الثاني: أنه أجرى الاثنين مجرى الجمع.
الثالث: أن «من» تقع على الجمع، ولقائل أن يقول على الوجه الثالث يلزم منه أن يصير المعنى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا وجماعة مالكين هل يستوون، إنه لا يحسن مقابلة الفرد بالجمع في التمثيل.
[558] فإن قيل: «أو» في الخبر للشك، والشك على الله تعالى محال، فما معنى قوله: (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل: 77] ؟