ومن بعد رحيله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى انساح صحابته بالدين الخاتم في الدنيا كلها ، وخلال نصف قرن من الزمان صار للإسلام جناحان ؛ جناح في الشرق ، وجناح في الغرب . وهزم أكبر إمبراطوريتين متعاصرتين له ؛ هما إمبراطورية فارس بحضارتها وإمبراطورية الروم .
وكانت البلاد تتخطَّف الإسلامَ كمنهج حياة ، حدث ذلك بعد أن حارب الإسلامُ الإمبراطوريتين في آنٍ واحد ، وأقبل الناس على الإسلام لِيتحقَّقوا من معجزته التي لَمسُوها في خُلُق مَنْ سمِعوا القرآن وحَملوا رسالته ؛ ثم في اكتشافهم لعدالة القرآن في إدارة حركة الحياة .
وهكذا اكتشفوا أن معجزة الإسلام عقلية ؛ وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم الذي لم يَأْتِ لهم بمعجزة حِسِّية ، وإذا كان القرآن معجزة في اللغة للقوم الذين نزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فالقرآن لِمَنْ لم يعرفوا لغة القرآن كان معجزة في العدالة والقيم النابعة منه .
وكان الناس يندفعون إلى الإسلام بقوة دَفْع من المؤمنين به ، وبقوة جَذْب من غير المؤمنين ؛ حين يروْنَ ألاَّ فَرْق بين الأمير وأصغر فَرْد تحت رايته ، وحين يلمسون عدالته ومساواته بين البشر .
ولم يكن الإسلام معجزة لقومه فقط ؛ بل لكل الدنيا ، ويتحقق دائماً قول الحق سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ...} [فصلت: 53]
ونجد مُفكّراً كبيراً من الغرب المعاصر يعلن إسلامه ، رغم أنه لم يقرأ القرآن ؛ بل نظر فقط في المبادئ التي قَنَّنها الإسلام ، وكيف تحمل حلولاً لِمَا عجزتْ عنه الحضارات المتعاقبة وأهل القوانين في كل بلاد الأرض .
ويعرف أن تلك القوانين قد جاءتْ لرسول ينتمي لأمة لم تبرعْ إلا في البلاغة والأدب ، وتضع تلك القوانين حلولاً لمشاكل تعاني منها الدنيا كلها .