فالنفوس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة، فهي تعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها.
والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذا الكبرياء، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، ورأيه محترم، وقيمته كريمة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) } [النحل: 125] .
ولكي يطامن الداعي من حماسته واندفاعه يشير القرآن إلى أن الله هو الأعلم بمن ضل عن سبيله، وهو الأعلم بالمهتدين، فلا ضرورة للجاجة في الجدل، والتكلف في القول، إنما هو البلاغ والبيان، والأمر بعد ذلك لله: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) } [الأنعام: 39] .
هذا هو منهج الدعوة السليم ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والموعظة الحسنة، والجدل بالحجة والبرهان.
فأما إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة وعلى دينهم فإن الأمر يتغير كما قال سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } [النحل: 126] .
فالاعتداء عمل مادي يدفع بمثله إعزازاً لكرامة الحق، ودفعاً لغلبة الباطل، على أن لا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده إلى التمثيل والتفظيع فالإسلام دين العدل والرحمة.
والدفع عن الدعوة يحفظ لها كرامتها وعزتها، فلا تهون في نفوس الناس، والدعوة المهينة لا يعتنقها أحد، والله لا يترك دعوته مهينة لا تدفع عن نفسها، والمؤمنون بالله خير الناس، وهم لا يقبلون الضيم وهم دعاة لله.
ثم إنهم أمناء على إقامة الحق في هذه الأرض، وتحقيق العدل بين الناس، وقيادة البشرية إلى الطريق القويم.
فكيف ينهضون بهذا كله وهم يهانون فلا يعاقبون، ويعتدى عليهم فلا يردون.