عرض - صلى الله عليه وسلم - نفسه على القبائل .. واجتمع بوفودها في المواسم .. ودعا عامتهم وخاصتهم إلى الإسلام بالرحمة والشفقة، واللطف واللين .. ولم يأل جهداً ولم يدخر وسعاً .. حتى ظهر أمر الله .. وعز الإسلام وأهله .. وقامت دولته .. وقويت شوكته .. وكملت شرائعه .. ورفعت أعلامه.
وأقوى سلاح الدعوة وأبلغها أثراً وأعظمها نفعاً رحمة الناس، والرفق بهم واللين معهم، ليقبلوا الدين، ويعملوا بأحكامه، ففرعون أشد خلق الله طغياناً وكفراً .. وظلماً وكبراً .. وقال ما لم يقله إبليس، نازع الله في الربوبية فقال: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [النازعات: 24] .
ونازع الله في الألوهية فقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] .
وادعى ما لا يملك وكفر بنعمة الله فقال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) } [الزخرف: 51، 52] .
واستكبر ورد أمر الله كما قال الله عنه: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) } [القصص: 39] .
ومع هذا كله جاء أمر الله لموسى وهارون بدعوته إلى الله بالقول اللين كما قال سبحانه: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } [طه: 43، 44] .
والدعوة إلى الله على منهج الأنبياء والمرسلين سبب لإقامة الدين في حياة الأمة وقبولها له، وتأثرها به.
أما إقامة الدين في حياة الأمة عن طريق الحكومة أو الأموال أو القوة لا عن طريق الدعوة، فهذا من أساليب الشياطين واليهود الذين يسعون في الأرض فساداً كما خرجوا على عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بالسيف، ومنذ ذلك الوقت والسيف يعمل في المسلمين لا في أعداء المسلمين.