فهم خير القرون وخير الناس للناس كما قال سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) } [آل عمران: 110] .
وهذا الفساد في الأمة سببه ترك جهد الدعوة، الذي يزيد الإيمان ويحرك الجوارح للطاعات، ويحجزها عن المحرمات، ويكون سبباً لنزول الهداية على الخلق، فإذا قامت الدعوة ظهر الحق، وبطل الباطل، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وصار من الصالحين مصلحون، ومن الفجار أبرار، ومن الغافلين ذاكرون.
ومدار جهد الأنبياء والمرسلين يقوم على أمرين:
كيف يكون الله معنا .. وكيف الله يدخلنا الجنة.
وللحصول على هذين الشيئين كان الأنبياء يقومون بأمرين:
الأول: تعليق القلوب بالله، وذلك بالإيمان بالله سبحانه.
الثاني: تعليق الأجساد بالله، وذلك بالعمل الصالح.
فالعمل الصالح لا ينفع إلا إذا كانت هناك علاقة بالله، وهي الإيمان، والإيمان لا
ينفع إذا لم تظهر ثمرته على الجوارح، وهي العمل الصالح الذي جاء به الأنبياء، والأنبياء لا يدعون الناس لترك الأموال والأشياء، بل يدعونهم لاستعمالها حسب أمر الله ملكاً، أو جاهاً، أو مالاً، أو عملاً، وسليمان عليه الصلاة والسلام جعل الله على كرسيه جسداً يدبر ملكه فتنة، فلم يتوجه إلى الأسباب، ولكن توجه إلى الله واستغفر وأناب مع أن عنده الملك والمال، فأعطاه الله ما طلب منه كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) } [ص: 34 - 39] .