الأديان والمذاهب فنقول: يذهب الأكثرون إلى أن القوة الحاكمة هي السبب الوحيد
في ذلك كما أنها السبب في كل إصلاح وإفساد فما شاءت الحكومة كان وما لم تشأ لم
يكن , وقد بارز (المنار) هذا الرأي بالحرب منذ إنشائه وهيهات أن يقتنع بالكتابة
إلا الأقلون على أننا لا ننكر أن القوة الحاكمة تستطيع تأييد السبب الحقيقي وتعزيزه
كما تستطيع خذله وتهديد القائمين به لكي يهنوا ويضعفوا ولكنها ليست هي عين
السبب وإذا هو وجد فلا تستطيع إعدامه وربما كان عملها على طيّه من علل
الانتشار وضغطها على أهله من أسباب الانفجار وما وجد دين ولا مذهب لم تقاومه
القوة وتواثبه الحكومة وقد انتصرت تلك المذاهب والأديان. وخذل من ناوأها من
حاكم وسلطان.
ويقول آخرون: إن العلة الحقيقية في امتداد الأديان وانتشارها هو كونها حقًّا
في ذاتها وعندما يرمى هذا القول على إطلاقه يسهل التسليم به ولا سيما على المسلم
البصير الذي يعلم أن دينه الإسلام ما قام وانتشر بالسيف كما يزعمون وإنما انتشر
بكونه حقًّا صارع الأباطيل فصرعها بالبرهان وظهور انطباقه على مصالح الإنسان
وإذا سئل هذا المسلم عن علة انتشار سائر الأديان يصعب عليه أن يجيب جوابًا فيه
مقنع لنفسه وللسائل لأنه إذا قال:(إن اليهودية والنصرانية إنما انتشرتا بالحق ثم
طرأ عليهما الباطل فظلتا سائرتين بحركة الاستمرار)يقال له: وما تقول في الديانة
الوثنية التي هي أعم الأديان انتشارًا؟ لا جرم أنه يحار في الجواب. ومن أهل
الإسلام طائفة قامت بمذهب بل دين جديد وهو آخذ بالانتشار حتى إن في مجاوري
الأزهر من يدين به ويدعو إليه يحاول هؤلاء أن يثبتوا أن انتشار الأديان والمذاهب
هو الدليل على حقيتها وهؤلاء يدعون أن أصول الديانات الوثنية. كديانة بوذه ,
وبرهما , وزرادشت صحيحة وسماوية أيضًا ليسلموا من هذا الإيراد(هكذا بلغني
عنهم)ولعلهم إذا سئلوا عن السبب في نجاح مذهب البروتستنت وانتشاره مثلاً
يقولون: إنه لم يخرج عن قاعدتنا فإن هذا المذهب إنما دعا إلى ترك التقاليد والبدع
التي طرأت على النصرانية والقرب بها من أصلها الحق , ولكن إثبات حقية الديانة