وقال وهب بن منبه والسدّي وغيرهما: أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن ، فقال: هل تعرفني أيّها الصدّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة وريحاً طيّبة ، قال: فإنّي رسول ربّ العالمين ، وأنا الروح الأمين ، قال: فما الذي أدخلك حبس المذنبين وأنت أطيب الطيّبين ، ورأس المقرّبين ، وأمين ربّ العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أنّ الله يُطهّر البيوت لهؤلاء الطيّبين ، وأنّ الأرض التي تدخلونها هي أطهر الأرضين ، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين؟
قال: كيف لي بابن الصدّيقين وتعدّني من المخلصين ، وقد أدخلت مدخل المُذنبين ، سمّيت باسم المفسدين؟ قال: لأنّه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربّك فلذك سمّاك الله في الصدّيقين ، وعدّك مع المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين ، قال: هل لك علم بيعقوب أيّها الروح الأمين؟ قال: نعم وهب الله له البلاء الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم ، قال: فما قدر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى ، قال: فماذا له من الأجر يا جبرئيل؟ قال: أجر مائة شهيد ، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم ، فطابت نفس يوسف ، قال: ما أُبالي ما ألفيته أن رأيته .
وأمّا قوله بثّي فالبثّ: أشدّ الحزن سُمّي بذلك لأنّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه أي يُظهره ، يقال: بثّ ، يبثّ فهو باثّ وأبثّ [يأبثه أبثاً] يُبثّ فهو مُبثّ إذا أظهره قال ذو الرمّة:
وقفتُ على ربع لميّة ناقتي ... فما زلتُ أبكي عندهُ وأُخاطبه
وأسقيه حتى كاد ممّا أبُثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه
وقال الحسن: بثّي أي حاجتي ، وقال محمّد بن القاسم الأنباري: البثّ: التفرق ، وقال محمّد بن إسحاق: معناه: إنّما أشكو حزني الذي أنا فيه إلى الله ، وهو من بثّ الحديث.
{وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال ابن عباس: يقول أعلم أنّ رؤيا يوسف صادقة وأني وأنتم سنسجد له ، وقال آخرون: وأعلم أنّ يوسف حيّ.