الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ يُوسُفُ بَعْدَ مَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتَهُ، وَبَسَطَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا مَا بَسَطَ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمَكَّنَهُ فِي الْأَرْضِ، مُتَشَوِّقًا إِلَى لِقَاءِ آبَائِهِ الصَّالِحِينَ: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ}
يَعْنِي: مِنْ مُلْكِ مِصْرَ، {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}
يَعْنِي مِنْ عِبَارَةِ الرُّؤْيَا، تَعْدِيدًا لِنِعَمِ اللَّهِ وَشُكْرًا لَهُ عَلَيْهَا {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} يَقُولُ: يَا فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، يَا خَالِقَهَا وَبَارِئَهَا، {أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}
يَقُولُ: أَنْتَ وَلِيِّي فِي دُنْيَايَ عَلَى مَنْ عَادَانِي
وَأَرَادَنِي بِسُوءٍ بِنَصْرِكَ، وَتَغْذُونِي فِيهَا بِنِعْمَتِكَ، وَتَلِينِي فِي الْآخِرَةِ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا}
يَقُولُ: اقْبِضْنِي إِلَيْكَ مُسْلِمًا {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}
يَقُولُ: وَأَلْحِقْنِي بِصَالِحِ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَنْبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَوْتَ قَبْلَ يُوسُفَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"اشْتَاقَ إِلَى لِقَاءِ رَبِّهِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَبِآبَائِهِ، فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاهُ وَيُلْحِقُهُ بِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْ نَبِيُّ قَطُّ الْمَوْتَ غَيْرُ يُوسُفَ، فَقَالَ: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} الْآيَةَ".
عَنْ قَتَادَةَ: «لَمَّا جَمَعَ شَمْلَهُ، وَأَقَرَّ عَيْنَهُ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَغْمُوسٌ فِي نَعِيمِ الدُّنْيَا، وَمُلْكِهَا، وَغَضَارَتِهَا، فَاشْتَاقَ إِلَى الصَّالِحِينَ قَبْلَهُ»
[عن] الضَّحَّاك فِي قَوْلِهِ: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}
يَقُولُ: «تَوَفَّنِي عَلَى طَاعَتِكَ، وَاغْفِرْ لِي إِذَا تَوَفَّيْتَنِي» . انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 13/}