وشاء الحق سبحانه أن تأتي اللقطات متفرقة ؛ لأن كل لَقْطة إنما جاءت لمناسبة ما ، وكل القَصَص القرآني قد جاء لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه خلال عمره الرِّسالي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاماً تعرَّض لأحداث جِسَام . وكل لحظة كانت تحتاج لتثبيت ، فيُنزِل الحق سبحانه ما يُثبِّت به فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم فيوضح له في موقع ما: لا تحزن ؛ لأن مَنْ سبقك من الرسل حدث معهم كذا .
بل قد تجد في الواقعة الواحدة لقطتيْن ، مثلما جاء في العداوة بين موسى وفرعون .
قال الحق سبحانه: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ...} [القصص: 8]
وهنا تكون العداوة من طرف موسى .
ويقول في نفس المسألة أيضاً: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} [طه: 39]
وهنا تكون العداوة من جهتين ؛ لأن العداوة تتفاعل حين تكون من جهتين ، فلا يمكن أن يستمر عداءٌ من طرف واحد ، وتقوم من أجل هذا العداء معركة ، لكن حين تكون العداوة من جهتين فهذا يُطيل أَمَد المعركة .
والمثل الثاني هو قول الحق سبحانه في نفس قصة موسى ؛ وهي لقطة متقدمة حدثتْ في الأيام الأولى من حياة موسى ، وقبل أن تُلقيه أمه في اليَمِّ ؛ فقد مهَّد الله لها الأمر .
يقول الحق سبحانه عن ذلك: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني ...} [القصص: 7]
وهذا شَحْذٌ لِهمَّتها قبل الحادث ، وتنبيه لها من قبل أن يقع ، ولحظةَ أن جاء الحادث نفسه أوحى لها الحق سبحانه: {أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} [طه: 39]
والذين قالوا: إن قَصص القرآن جاء مُبعثراً ، قد نسوا أن قصة نوح جاءت في موقع واحد ، وجاءت سورة يوسف مَحْبوكة من أول الرؤيا إلى تولي المُلْك ، وجمع شَمْل العائلة .