أما إنْ جاء إنسان وقال: لقد جاءتني رؤيا تقول لي نَفِّذ كذا . نقول له: أنت غير مُلْزم بتنفيذ ما تراه في منامك من رُؤَى ؛ فليس عليك حكم شرعي يلزمك بذلك ؛ فضلاً عن أن الشيطان يستطيع أن يُخايلك .
أما تنفيذ إبراهيم عليه السلام لما رآه في المنام بأن عليه أن يذبح ابنه ، وقيام إبراهيم بمحاولة تنفيذ ذلك ؛ فسببه أنه يعلم بالتزامه الشرعي بتنفيذ الرُّؤيا .
وقد جاء لنا الحق سبحانه بهذا الذي حدث ليبين لنا عِظَم الابتلاءات التي مرَّتْ على إبراهيم ، وكيف حاول أن يتم كل ما توجهه له السماء من أوامر ، وأن ينفذ ذلك بدقّة .
وقال الحق سبحانه مُصوِّراً ذلك: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ...} [البقرة: 124]
وكانت قمة الابتلاءات هي أن يُنفِّذ بيديه عملية ذبح الابن ؛ ولذلك أؤكد دائماً على أن الأنبياء وحدهم هم المُلْزمون بتنفيذ رُؤاهم ، أما أي إنسان آخر إنْ جاءته رُؤْيا تخالف المنهج ؛ فعليه أن يعتبرها من نزغ الشيطان .
ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ...} [يوسف: 100]
ولقائل أن يسأل: ولماذا لم يذكر يوسف الأحداثَ الجِسَام التي مرَّتْ به في تَسَلسُلها ؛ مثل إلقاء أخوته له في الجُبِّ؟
نقول: لم يُرِدْ يوسف أن يذكر ما يُكدِّر صَفْو اللقاء بين العائلة من بعد طول فراق . ولكنه جاء بما مرّ به من بعد ذلك ، من أنه صار عبداً ، وكيف دخل السجن ؛ لأنه لم يستسلم لِغُواية امرأة العزيز ، وكيف مَنَّ الله عليه بإخراجه من السجن ، وما أن خرج من السجن حتى ظهرت النعمة ، ويكفي أنه صار حاكماً .
وقد يقول قائل: إن القصة هنا غير مُنْسجمة مع بعضها ، لأن بعضاً من المواقف تُذكر ؛ وبعضها لا يُذْكر .