أما العبادة لله فهي اتباع أوامره وتجنب نواهيه ؛ إذن: فالسجود هنا استجابة لنداء الشكر من الكل أمام الإفراج عن الهم والحزن وسبحانه يُثيب عليها . أما التحية يقدمها العبد ، ويستطيع العبد الآخر أن يردَّ بمثلها أو خَيْرٍ منها ، فهذا أمر لا يحرمه الله ، ولا دَخْل للعبادة به .
لذلك يجب أن نفطن إلى أن هذه المسألة يجب أن تُحرَّر تحريراً منطقيّاً يتفق مع معطيات اللغة ومقتضى الحال ، ولو نظرنا إلى وضع يعقوب عليه السلام ، وما كان فيه من أحزان وموقف إخوته بين عذاب الضمير على ما فعلوا وما لاقوه من متاعب لأيقنا أن السجود المراد به شكر من بيده مقاليد الأمور بدلاً من خلق فجوات بلا مبرر وَهُمْ حين سجدوا ليوسف ؛ هل فعلوا ذلك بدون علم الله؟ طبعاً لا .
ومن بعد ذلك نجد قول يوسف لأبيه: {وَقَالَ يا أبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ...} [يوسف: 100]
وقد كانت الرُّؤيا هي أول لَقْطة في قصة يوسف عليه السلام حيث قال الحق ما جاء على لسان يوسف لأبيه: {... إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] وقوله في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ...} [يوسف: 100] أي: أمراً واقعاً ، وقد رآه والد يوسف وأخوته لحظة أنْ سجدوا ليوسف سجودَ الشكر والتحية لا سجود عبادة ، وقد سجد الأخوة الأحد عشر والأب والخالة التي تقوم مقام الأم ، ورؤيا الأنبياء كما نعلم لابُدَّ أن تصير واقعاً .
ولقائل أن يقول: وماذا عن رُؤْيا إبراهيم عليه السلام التي أمره فيها الحق سبحانه أن يذبح ابنه ؛ فقام إلى تنفيذها ؛ واستسلم إسماعيل لأمر الرُّؤْيا .
نقول: إن الأنبياء وحدهم هم الملتزمون شرعاً بتنفيذ رؤاهم ؛ لأن الشيطان لا يُخايلهم ؛ فهم معصومون من مخايلة الشيطان .