نقول: إن القصة مُنْسجمة تماماً ، وهناك فارق بين قصص التاريخ كتاريخ ؛ وبين قَصص يوضح المواقف الهامة في التاريخ .
والمناسبة في هذه الآية هي اجتماع الإخوة والأب والخالة ، ولا داعي لذكر ما يُنغِّص هذا اللقاء ؛ خصوصاً ؛ وأن يوسف قد قال من قبل: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} [يوسف: 92]
وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل: {... هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89]
وهو هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان الحق سبحانه له فيقول: هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً .
ويُثني على الله شاكراً إحسانه فيقول: {وَقَدْ أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ...} [يوسف: 100]
وهو إحسان له في ذاته ، ثم يذكر إحسان الله إلى بقية أهله: {وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو ...} [يوسف: 100]
وكلمة"أحسن"كما نعلم مرة تتعدى ب إلى ، فتقول:"أحسن إليه"، ومرة تتعدى بالباء ، فنقول:"أحسن به"، وهو هنا في مجال"أحسن بي".
أي: أن الإحسان بسببه قد تعلَّق بكل ما اتصل به ؛ فجعله حاكماً ، وجاء بأهله من البدو ؛ أما الإحسان إليه فيكون محصوراً في ذاته لا يتعداه .
وجعل الحق سبحانه الإحسان هنا قسمين: قسم لذاته ؛ وقسم للغير ، واعتبر مجيء الأهل من البدو إحساناً إليه ، لأن البَدْو قوم يعيشون على الفطرة والانعزالات الأسرية ، ولا تَوطُّن لهم في مكان ، ولا يضمُّهم مجتمع ، وليس لهم بيوتٌ مبنية يستقِرُّون فيها ، ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكلأ ومساقط المياه ، ويحملون رِحَالهم إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لآخر .