ثم أرادوا أن يغرّوا باسم القميص والدم والبكاء ، فغلب أمره حتى لم يخدع ، وقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً} ثم احتالوا أن تذهب محبته من قبل أبيه ، فغلب أمره حتى ازدادت المحبة والشوق في قلبه ، ثم تدبّر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي ، فغلب أمره حتى نسي الساقي في ذكره ، ولبث في السجن بضع سنين ، ثم احتالت امرأة العزيز أن [تترك] المراودة عن نفسها حتى قالت {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا} الآية ، فغلب أمره حتى شهد الشاهد من أهلها .
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي منتهى شبابه وشدّة قوته ، قال مجاهد: ثلاثاً وثلاثين سنة ، الضحاك: عشرين سنة ، وروى ابن عباس أنه ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة ، وقيل: إلى أربعين ، وقيل: إلى ستين ، والأشُدّ: جمع شد ، مثل قدّ ، أقُدّ ، وشرّ وأشُرّ ، وضر وأضرّ ، قال حميد:
وقد أتى لو تعبت العواذل ... بعد الاشل أربع كوامل
قال الشاعر:
هل غير أن كثر الأشل وأهلكت ... حرب الملوك أكاثر الأموال
{آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} قال مجاهد: العقل والفهم والعلم قبل النبوة ، وقال أهل المعاني: يعني إصابة في القول ، وعلماً بتأويل الرؤيا وموارد الأُمور ومصادرها.
{وكذلك نَجْزِي المحسنين} قال ابن عباس: المؤمنين ، وعنه أيضاً: المهتدين ، وقال [الصدوق] عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف ، وقال محمد بن كعب: هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن ، فإن المراد به محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: كما فعلت بيوسف بعدما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكّنته في الأرض ، ووطّأت له في البلاد ، وآتيته الحكم والعلم فكذلك أفعل بك ، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة ، وأُمكّن لك في الأرض ، وأزيدك الحكم والعلم ؛ لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونهيي .