{وكذلك} أي وكما أنقذ يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله فأخرجناه من الجُبّ بعد أن ألقي فيه ، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر {مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض} يعني أرض مصر ، فجعلناه على خزائنها ، قال أهل الكتاب: لما تمّت ليوسف (عليه السلام) ثلاثون سنة ، استوزره فرعون.
{وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} أي ولكي نعلّمه من عبارة الرؤيا ، مكنّا له في الأرض {والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ} اختلفوا في هذه الكناية ، فقال قوم: هي راجعة إلى الله عزّ وجلّ ، وتقدير الكلام: لا يغلب الله شيء ، بل هو الغالب على أمره يفعل ما يشاء ، ويعلم ما يريد ، وقال آخرون: راجعة إلى يوسف ، ومعنى الآية: والله مستول على أمر يوسف يسوسه ويحوطه ويدبّر أمره ، ولا يكله إلى غيره.
{ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} ما الله صانع بيوسف ، و [ما] إليه يوسف من أمره صائر ، وهم الذين زهدوا فيه وباعوه بثمن بخس وفعلوا به ما فعلوا.
قالت الحكماء في هذه: والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف (عليهما السلام) أن لا يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حين قصّ ، ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوا فغلب أمره حتى كادوا ، ثم أراد أخوة يوسف قتله فغلب أمره حتى لم يقتلوه ، ثم أرادوا أن يلقوه في الجب ليلتقطه بعض السيارة فيندرس اسمه ، فغلب أمره حتى لم يندرس اسمه وصار مذكوراً مشهوراً.
ثم باعوه ليكون مملوكاً فغلب أمره حتى صار ملكاً والعبيد بين يديه ، ثم أرادوا أن يخلوا لهم وجه أبيهم ، فغلب أمره حتى ضاق عليهم قلب أبيهم ، ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوماً صالحين تائبين ، فغلب أمره حتى نسوا الذنب وأصروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد أربعين سنة ، وقالوا: وإن كنا خاطئين ، وقالوا لأبيهم: إنا كنا خاطئين.