{وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار وترويج ما مكروا ، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل وإن الحياء في العينين ، ولا يعتذر من ذنب في النهار فيتلجلج في الاعتذار فلا يقدر على إتمامه ، وقيل: أخّروا المجيء إلى وقت العشاء الآخرة ليدلّسوا على أبيهم
قال السدّي: فلمّا سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ وهل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا: لا ، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسف؟
{قَالُواْ ياأبانآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نترامى ، دليله قول عبد الله: ننتضل ، السدّي وابن حيان: نشتد {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ} مصدّق {لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} لسوء ظنّك بنا وتهمتك لنا ، وهذا قميصه ملطخ بالدم فذلك قوله {وَجَآءُو على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي بدم كذب ، وقيل: بدم ذي كذب لأنه لم يكن دم يوسف وإنما كان دم شاة ، وهذا كما يقال: الليلة الهلال ، وقيل: معناه بدم مكذوب فيه ، فوضع المصدر موضع الاسم ، كما يقال: ماله عقل ولا معقول .
وقرأت عائشة: بدم كدب بالدال غير المعجمة ، أي طري ، فبكى يعقوب عند ذلك ، وقال لبنيه: أروني قميصه فأروه ، فقال: يالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا ، أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه ، فحينئذ {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} رتبت {أَمْراً فَصَبْرٌ} أي فمنّي أو فعليَّ صبر ، وقيل: فصبري صبرٌ {جَمِيلٌ} وقرأ الأشهب والعقيلي: فصبراً على المصدر أي فلأصبرنّ صبراً جميلا ، وهو الصبر الذي لا جزع ولا شكوى فيه.
وقيل: معناه لا أعاشركم على كآبة الوجه وحبوس الحنين ، بل أكون في المعاشرة معكم جميلا كما كنت.