{قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] .
والكيد كما نعلم هو الاحتيال على إيقاع السوء بخفاء ، ويقوم به مَنْ لا يملك القدرة على المواجهة ، وكَيْد المرأة عظيم ؛ لأن ضعفها أعظم .
وتعود آيات السورة بعد ذلك إلى موقف عزيز مصر ، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان الزوج: {يُوسُفُ أَعْرِضْ ...} .
وبهذا القول من الزوج أنهى الحقُّ سبحانه هذا الموقف الرُّباعي عند هذا الحد ، الذي جعل عزيز مصر يُقِرُّ أن امرأته قد أخطأت ، ويطلب من يوسف أن يعرض عن هذا الأمر لِيَكتمه .
وهذا يبين لنا سياسة بعض أهل الجاه مع بيوتهم ، وهو أمر نشاهده في عصرنا أيضاً ؛ فنجد الرجل ذا الجاه وهو يتأبَّى أن يرى أهله في خطيئة ، ويتأبى أكثر من ذلك فيرفض أن يرى الغيرُ أهله في مثل هذه القضية ، ويحاول كتمان الأمر في نفسه ؛ فيكفيه ما حدث له من مهانة الموقف ، ولا يريد أن يشمتَ به خصومه أو أعداؤه .
وهنا مَلْحظ يجب أن نتوقف عنده ، وهو قضية الإيمان ، وهي لا تزال متغلغلة حتى في المنحرفين والمتسترين على المنحرفين ، فعزيز مصر يقول ليوسف:
{أَعْرِضْ عَنْ هذا ...} [يوسف: 29] .
ويقول لزوجته:
{واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين} [يوسف: 29] .
وهو في قوله هذا يُقِرُّ بأن ذنباً قد وقع ؛ وهو لن يُقِرَّ بذلك إلا إذا كان قد عرف عن الله منهجاً سماوياً ، وهو في موقف لاَ يسعه فيه إلا أن يطلب منها أن تستغفر الله .
وبعد أن كان المشهد رباعياً: فيه يوسف ، وامرأة العزيز ، والعزيز نفسه ، ثم الشاهد الذي فحص القضية وحكم فيها ، ينتقل بنا الحق سبحانه إلى موقف أوسع ؛ وهو دائرة المجتمع الذي وقعتْ فيه القضية .