وصلة الإنجيل بالواقعة المقصوصة أنه سجلها فرضًا بعد زمن وقوعها بقليل؛ لأن عيسى كان معاصراً ليحيى عليهما السلام وصلة القرآن الأمين بها أنه سجلها بعد حدوثها بزمن طويل"حوالي سبعمائة سنة".
وقرب الإنجيل من وقوع الحادثة المقصوصة، وبُعد القرآن الزمني عنها يقتضى إذا سلمنا جدلاً بدعوى الاقتباس المطروحة أن يأتي الاقتباس على إحدى صورتين:
أولاهما: أن يقتبس القرآن جزءًا مما ورد من القصة الكلية في الإنجيل. وتظل القصة فيه ناقصة عما هي عليه في المصدر المقتبس منه (الإنجيل) على حسب زعمهم.
ثانيهما: أن يقتبس القرآن القصة كلها كما هي في الإنجيل بلا نقص ولا زيادة، سواء أخذها بألفاظها أو صاغها في أسلوب جديد (البلاغة العربية كما يدعون) ، بشرط أن يتقيد بالمعاني الواردة في المصدر المقتبس منه؛ لأن الفرض قائم (حتى الآن) على أن القرآن لم يكن له مصدر يستقى منه الواقعة غير الإنجيل المقتبس منه.
ومحظور على القرآن عملا بهذه القيود التي تكتنف قضية الاقتباس للوقائع التاريخية من مصدرها الأوحد أن يأتي بجديد أو يضيف إلى الواقعة ما ليس في مصدرها الأوحد.
فماذا صنع القرآن إذن؟
هل اقتبس من الإنجيل جزءًا من الواقعة؟ أم الواقعة كلها؟!
دائراً في فلك الإنجيل دورة ناقصة أو دورة كاملة؟!
لو كان القرآن قد فعل هذا: اقتبس جزءاً من الواقعة كلها، وَ لَوْ مع صياغة جديدة لم تغير من المعنى شيئا؛ لكان لدعوى الاقتباس هذه ما يؤيدها من الواقع القرآني نفسه. ولما تردد في تصديقها أحد.
ولكننا قد رأينا القرآن لم يفعل شيئًا مما تقدم. لم يقتبس جزءاً من الواقعة ولا الواقعة كلها.
وإنما صورها تصويراً أميناً رائعاً. سجل كل حقائقها، والتقط بعدساته كل دقائقها. وعرضها عرضاً جديداً نقيًّا صافياً، وربط بينها وبين وقائع كانت كالسبب الموحد لها في بناء محكم وعرض أمين.
ولم يقف القرآن عند هذا الحد .. بل قام بإضافة الكثير جدًّا من الجديد الذي لم يعرفه الإنجيل. وصحح كثيراً من الأخطاء التي وردت فيه بفعل التحريف والتزوير. إما بالنص وإما بالسكوت. وهذا لا يتأتى من مقتبس ليس له مصدر سوى ما اقتبس منه.
وإنما يتأتى ممن له مصدره ووسائله وسلطانه المتفوق، بحيث يتخطى كل الحواجز، ويسجل الواقعة من"مسرحها"كما رآها هو، وعقلها هو، وسجلها هو. وكان هذا هو القرآن.