فاضرب عن قولهم:"انا ذهبنا نستبق"الخ بقوله:"بل سولت لكم انفسكم أمرا"والتسويل الوسوسة أي ليس الأمر على ما تخبرون بل وسوست لكم انفسكم فيه أمرا وابهم الأمر ولم يعينه ثم أخبر انه صابر في ذلك من غير ان يؤاخذهم وينتقم منهم لنفسه انتقاما وإنما يكظم ما هجم نفسه كظما .
فقوله:"بل سولت لكم انفسكم أمرا"تكذيب لما أخبروا به من أمر يوسف وبيان انه على علم من ان فقد يوسف لا يستند إلى ما ذكروه من افتراس السبع وإنما يستند إلى مكر مكروه وتسويل من أنفسهم لهم والكلام بمنزلة التوطئة لما ذكره بعد من قوله:"فصبر جميل"إلى آخر الآية .
وقوله:"فصبر جميل"مدح للصبر وهو من قبيل وضع السبب موضع المسبب والتقدير ساصبر على ما أصابني فان الصبر جميل وتنكير الصبر وحذف صفته وابهامها للإشارة إلى فخامة أمره وعظم شانه أو مرارة طعمه وصعوبة تحمله .
وقد فرع قوله:"فصبر جميل"على ما تقدم للاشعار بان الأسباب التي احاطت
به وافرغت عليه هذه المصيبة هي بحيث لا يسع له معها إلا أن يسلك سبيل الصبر وذلك انه (عليه السلام) فقد أحب الناس إليه يوسف وهو ذا يذكر له انه صار اكلة للذئب وهذا قميصه ملطخا بالدم وهو يرى انهم كاذبون فيما يخبرونه به ويرى ان لهم صنعا في افتقاده ومكرا في أمره ولا طريق له إلى التحقيق فيما جرى على يوسف والتجسس مما آل إليه أمره واين هو ؟ وما حاله ؟ فانما اعوانه على أمثال هذه النوائب واعضاده لدفع ما يقصده من المكاره انما هم ابناؤه وهم عصبة أولوا قوة وشدة فإذا كانوا هم الأسباب لنزول النائبة ووقوع المصيبة فبمن يقع فيهم ؟ وبماذا يدفعهم عن نفسه ؟ فلا يسعه الا الصبر .