غير ان الصبر ليس هو ان يتحمل الإنسان ما حمله من الرزية وينقاد لمن يقصده بالسوء انقيادا مطلقا كالأرض الميتة التي تطؤها الاقدام وتلعب بها الايدى فان الله سبحانه طبع الإنسان على دفع المكروه عن نفسه وجهزه بما يقدم به على النوائب والرزايا ما استطاع ولا فضيلة في ابطال هذه الغريزة الإلهية بل الصبر هو الاستقامة في القلب وحفظ النظام النفساني الذي به يستقيم أمر الحياة الإنسانية من الاختلال وضبط الجمعية الداخلية من التفرق والتلاشى ونسيان التدبير واختباط الفكر وفساد الراى فالصابرون هم القائمون في النوائب على ساق لا تزيلهم هجمات المكاره وغيرهم المنهزمون عند أول هجمة ثم لا يلوون على شيء .
ومن هنا يعلم ان الصبر نعم السبيل على مقاومة النائبة وكسر سورتها الا انه ليس تمام السبب في اعادة العافية وارجاع السلامة فهو كالحصن يتحصن به الإنسان لدفع العدو المهاجم وأما عود نعمة الأمن والسلامة وحرية الحياة فربما احتاج إلى سبب آخر يجر إليه الفوز والظفر وهذا السبب في ملة التوحيد هو الله عز سلطانه فعلى الإنسان الموحد إذا نابته نائبة ونزلت عليه مصيبة ان يتحصن أولا بالصبر حتى لا يختل ما في داخله من النظام العبودي ولا يتلاشى معسكر قواه ومشاعره ثم يتوكل على ربه الذي هو فوق كل سبب راجيا ان يدفع عنه الشر ويوجه أمره إلى غاية صلاح حاله والله سبحانه غالب على أمره وقد تقدم شيء من هذا البحث في تفسير قوله تعالى:"واستعينوا بالصبر والصلاة"البقرة: 45 في الجزء الأول من الكتاب .
ولهذا كله لما قال يعقوب (عليه السلام) "فصبر جميل"عقبه بقوله:"والله المستعان على ما تصفون"فتمم كلمة الصبر بكلمة التوكل نظير ما اتى به في قوله في الآيات
المستقبلة:"فصبر جميل عسى الله ان يأتيني بهم جميعا انه هو العليم الحكيم"الآية: 83 من السورة .