فقوله:"والله المستعان على ما تصفون"وهو من اعجب الكلام بيان لتوكله على ربه يقول انى اعلم ان لكم في الأمر مكرا وان يوسف لم ياكله ذئب لكنى لا اركن في كشف كذبكم والحصول على يوسف بالأسباب الظاهرة التي لا تغنى طائلا بغير اذن من الله ولا اتشحط بينها بل اضبط استقامة نفسي بالصبر واوكل ربى ان يظهر على ما تصفون ان يوسف قد قضى نحبه وصار اكلة لذئب .
فظهر ان قوله:"والله المستعان على ما تصفون"دعاء في موقف التوكل ومعناه اللهم انى توكلت عليك في أمرى هذا فكن عونا لي على ما يصفه بنى هؤلاء والكلمة مبنية على توحيد الفعل فانها مسوقة سوق الحصر ومعناها ان الله سبحانه هو المستعان لا مستعان لي غيره فإنه (عليه السلام) كان يرى ان لا حكم حقا الا حكم الله كما قال فيما سيأتي من كلامه:"ان الحكم الا لله عليك توكلت"ولتكميل هذا التوحيد بما هو أعلى منه لم يذكر نفسه فلم يقل ساصبر ولم يقل والله استعين على ما تصفون بل ترك نفسه وذكر اسم ربه وان الأمر منوط بحكمه الحق وهو من كمال توحيده وهو مستغرق في وجده واسفه وحزنه ليوسف غير انه ما كان يحب يوسف ولا يتوله فيه ولا يجد لفقده الا لله وفي الله .
قوله تعالى:"وجاءت سيارة فارسلوا واردهم فادلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام واسروه بضاعة والله عليم بما يعملون"قال الراغب الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره انتهى وقال دلوت الدلو إذا ارسلتها وادليتها إذا اخرجتها انتهى وقيل بالعكس وقال الأسرار خلاف الاعلان انتهى .
وقوله:"قال يا بشرى هذا غلام"ايراده بالفصل مع انه متفرع وقوعا على ادلاء الدلو للدلالة على انه كان أمرا غير مترقب الوقوع فان الذي يترقب وقوعه عن الادلاء هو خروج الماء دون الحصول على غلام فكان مفاجئا لهم ولذا قال:"يا بشرى ونداء البشرى كنداء الاسف والويل ونظائرهما للدلالة على حضوره وجلاء ظهوره ."