إذن: فتأخر الحكم كان المراد منه تمحيص هؤلاء ، وإعطاء الأسوة لغيرهم . فحين يرون أن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت ، وكذلك ضاقت عليهم أنفسهم يتيقنون من قول الحق: {وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ} [التوبة: 118]
أي: أن أحداً لا يجير إلا الله ، وسبحانه يجير من نفسه . كيف؟ أنت تعلم أنك ساعة لا يجيرك إلا من يتعقبك ، فاعلم أنه لا سلطان لأحد أبداً ؛ ولذلك نقول: أنت تلجأ إلى الله لا من خلقه ، ولكنك تلجأ إلى الله ليحميك من الله ، فسبحانه له صفات جلال وصفات جمال ، وتتمثل صفات الجلال في أنه: قهار ، وجبار ، ومنتقم ، وشديد البطش ، إلى آخر تلك الصفات . وفي الحق سبحانه صفات جمال مثل غفور ، ورحيم ، وغيرها ، فإذا ما أذنب الإنسان ذنباً ، فالمجال في هذه الحالة ان يُعاقب من صفات الجلال ، ولا ينفع العبد وقاية من صفات الجلال إلا صفات الجمال .
وكلنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا الله بقوله:"أعوذ بك منك"
أي: أعوذ بصفات الجمال فيك من صفات جلالك ، فلن يحميني من صفات جلالك إلا صفات جمالك .
ولذلك حينما جاء في الحديث الشريف عن آخر ليلة من رمضان قوله صلى الله عليه وسلم .
"فإذا ما كان آخر ليلة من رمضان تجلَّى الجبَّار بالمغفرة ."
يظن بعض الناس أن هذه المسألة غير منطقية ، فكيف يتجلَّى الجبّار بالمغفرة؟ ألم يكن من المناسب أن يقال:"يتجلّى الغفّار"؟ ونقول: لا ؛ فإن المغفرة تقتضي ذنباً ، ويصبح المقام لصفة الجبار ، وهكذا تأخذ صفة الرحمة من صفة الجبار سُلْطتها ، وكأننا نقول: يا جبار أنت الحق وحدك ، لكننا نتشفع بصفات جمالك عند صفات جلالك . هذا هو معنى:"يتجلى الجبار بالمغفرة".
وقد سمع الأصمعي - وهو يطوف - مسلماً عند باب الملتزم ، يقول: اللهم إني أستحي أن أطلب منك المغفرة ؛ لأني عصيتك ، ولكني تطلَّعْتُ فلم أجد إلهاً سواك .