وبعد ذلك يتصاعد الأمر في عزل هؤلاء ، حتى تعدى إلى نسائهم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يقربوا نساءهم هكذا بلغ العزل مبلغاً شديداً ودقيقاً ، فقد كان التحكم أولاً في المجتمع ، ثم في الأقارب ، ثم في خصوصيات السكن وهي المرأة ، حتى إن امرأة هلال بن أمية ذهبت إليه وقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية ، رجل مريض ضعيف ، وأنا أستأذنك في أن أصنع له ما يقيمه ، قال لها:"ولكن لا يقربنك". قالت والله يا رسول الله ما به حركة إلى شيء ، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . وذهب بعض المسلمين إلى كعب بن مالك ليبلغوه أن رسول الله صرح لامرأة هلال أن تخدمه ، وقالوا له: اذهب إلى رسول الله واستأذنه أن تخدمك أمرأتك .
قال: إن هلالاً رجل شيخ ، فماذا أقول لرسول الله وأنا رجل شاب؟ والله لا أذهب له أبداً .
وظل الثلاثة في حصار نفسي ومجتمعي لمدة خمسين يوماً إلى أن جاء الله بالتوبة ، وفي هذا تمحيص لهم ، فكعب بن مالك - على سبيل المثال - يقص عن حاله قبل الغزوة قائلاً: لم أكن قط أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة .
أي: أنه لم يكن له عذر يمنعه .
بعد ذلك يجيء البشير بأن الله قد تاب عليه ، فيأتي واحد من جيل سَلْع فيقول: يا كعب أبشر بخير يوم مرّ عليك . فقد أنزل الله فيك قرآناً وأنه تاب عليك .
قال كعب: فلم أجد عندي ما أهديه له لأنه بشَّرني إلا ثوبيّ فخلعتهما وأعطيتهما له ، ثم استعرت ثوبين ذهبت بهما إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال: يا رسول الله ، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي - الذي سبَّب لي هذا العقاب - صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه .