"من المشهور القطعي الذي لا خلاف فيه ، أن الله تعالى بعث محمداً رسوله وخاتم النبيين بالإسلام الذي أكمل به الدين ، وجعل آيته الكبرى هذا القرآن المعجز للبشر من وجوه كثيرة ، ذكرنا كلياتها في تفسير: (2: 3) (( صلى الله عليه وسلم) 190 - ص228 ج 1) وأقام بناء الدعوة إليه على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة ؛ ومنع الإكراه فيه والحمل عليه بالقوة ، كما بيناه في تفسير (2: 256(صلى الله عليه وسلم) 26 - (صلى الله عليه وسلم) 40 ج 3) فقاومه المشركون ، وفتنوا المؤمنين بالتعذيب والاضطهاد لصدهم عنه ، وصدوه (( صلى الله عليه وسلم ) )عن تبليغه للناس بالقوة ؛ ولم يكن أحد ممن اتبعه يأمن على نفسه من القتل أو التعذيب ، إلا بتأمين حليف أو قريب. فهاجر من هاجر منهم المرة بعد المرة ؛ ثم اشتد إيذاؤهم للرسول (( صلى الله عليه وسلم ) )حتى ائتمروا بحبسه الدائم أو نفيه أو قتله علناً في دار الندوة ؛ ورجحوا في آخر الأمر قتله ؛ فأمره الله تعالى بالهجرة ، كما تقدم في تفسير [8: 30] {وإذا يمكر بك الذين كفروا} (( صلى الله عليه وسلم) 650 ج 9) فهاجر (( صلى الله عليه وسلم ) )وصار يتبعه من قدر على الهجرة من أصحابه إلى حيث وجدوا من مهاجرهم بالمدينة المنورة أنصاراً لله ولرسوله يحبون من هاجر إليهم ، ويؤثرونهم على أنفسهم."
وكانت الحال بينهم وبين مشركي مكة وغيرهم من العرب حال حرب بالطبع ومقتضى العرف العام في ذلك العصر. وعاهد (( صلى الله عليه وسلم ) )أهل الكتاب من يهود المدينة وما حولها على السلم والتعاون. فخانوا وغدروا ، ونقضوا عهودهم له بما كانوا يوالون المشركين ويظاهرونهم كلما حاربوه. كما تقدم بيان ذلك كله في تفسير سورة الأنفال من هذا الجزء (( صلى الله عليه وسلم) 1547 - 1556).