تَتَوَارَدُ مَعَ هَذَا عَلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّخْصِيصِ ، فَالْعَهْدُ مَا يَتَّفِقُ رَجُلَانِ أَوْ فَرِيقَانِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الْتِزَامِهِ بَيْنَهُمَا لِمَصْلَحَتِهِمَا الْمُشْتَرِكَةِ ، فَإِنْ أَكَّدَاهُ وَوَثَّقَاهُ بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْعِنَايَةِ بِحِفْظِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ سُمِّيَ مِيثَاقًا ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَثَاقِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَبْلُ وَالْقَيْدُ ، وَإِنْ أَكَّدَاهُ بِالْيَمِينِ خَاصَّةً سُمِّي يَمِينًا ، وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ لِوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ الْآخَرِ عِنْدَ عَقْدِهِ ، وَالْيَمِينُ فِي الْأَصْلِ الْيَدُ الْمُقَابِلَةُ لِلشِّمَالِ ، وَالْحَلِفُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنِ اسْتَعْمَلَ الْإِلَّ بِمَعْنَى الْعَهْدِ أَرَادَ بِهِ الْمُطْلَقَ مِنْهُ ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْحِلْفِ - بِالْكَسْرِ - وَهُوَ الْمُحَالَفَةُ أَصْلُهُ مِنْ مَادَّةِ الْحَلِفِ أَيِّ الْيَمِينِ . وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ: إِنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامِّ أَرَادَ بِهِمْ غَيْرَ مَنِ اسْتَثْنَاهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَالْآيَةِ الرَّابِعَةِ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَشْمَلُ أَهْلَ الْعَهْدِ الَّذِينَ غَدَرُوا ، وَيَشْمَلُ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمْ لِشِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُرِيدُوا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنْ يُقَيِّدُوا أَنْفُسَهُمْ مَعَهُمْ بِعَهْدِ سَلْمٍ مُطْلَقٍ وَلَا مُؤَقَّتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُمْ بِالنَّصِّ شَمِلَهُمْ بِالْحُكْمِ .