وقوله: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} قيل: لما كان قوله: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ} معطيًا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو، قيل: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ} ، كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم.
وقوله: {فَثَبَّطَهُمْ} أي: فوقَّفَهُمْ، والتثبيط: التوقيف بالأمر بالتزهيد فيه.
{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) } :
قوله عز وجل: {مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} الزمخشري: {إِلَّا خَبَالًا} ليس من الاستثناء المنقطع في شيء كما يقولونه؛ لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيرًا إلَّا خبالًا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلًا؛ لأن الخبال بعضُ أعمِّ العام، كأنه قيل: ما زادوكم شيئًا إلَّا خبالًا، والخبال: الفساد والشر. وكذلك الخَبْل ساكنة الباء.
وقوله: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} ، (خلالكم) ظرف لأوضعوا، والإِيضاع: الإِسراع والحمل على الإِسراع، يقال: وَضَعَ البعيرُ وغيره وضعًا، إذا أسرع في سيره.
وقال:
261 -يا لَيتَنِي فيها جَذَعْ ... أَخُبُّ فيها وأَضَعْ
وأوضعه راكبه، وأنشد:
262 -إنَّ دُلَيمًا قد أَلاحَ من أبي ... فقال أَنْزِلْنِي فلا إيضاعَ بِي
أي: لا أقدر على أن أسير، والمعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد الإِسراع بالنمائم؛ لأن الراكب أسرع من الماشي.
وقرئ: (ولأَرقَصُوا) ، من رقصت الناقة رَقْصًا ورَقَصانًا، إذا أسرعت، وأرقصها راكبها، قال:
263 -... والراقصاتُ إلى مِنًى فالغبغب
الغبغب: المنحر بمنى، وهو جُبَيْلٌ.
قال أبو الفتح: ولا يقال: رقص إلَّا للاعب، أو للإِبل.
وأما قول حسان - رضي الله عنه:
264 -بِزُجاجَةٍ رَقَصَتْ بما في دَنِّها ... رَقَصَ القَلُوصِ بِراكبٍ مُسْتَعجِلِ