وبعد أن وضحت السورة الكريمة طبيعة هؤلاء المشركين بالنسبة لكل مؤمن، وبينت الأسباب التي جعلتهم بمعزل عن الحق والخير .. شرعت في بيان ما يجب أن يفعله المؤمنون معهم في حالتي إيمانهم وكفرهم فقال تعالى.
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ.
أي: فإن تابوا عن شركهم وما يتبعه من رذائل ومنكرات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، على الوجه الذي أمر الله به فهم في هذه الحالة فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم وهذه الأخوة تجبّ ما قبلها من عداوات.
وقوله: وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ جملة معترضة، جيء بها للحث والتحري على ما فصله - سبحانه - من أحكام المشركين، وعلى الالتزام بها.
هذا ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ..
أما إن كانت الأخرى، أي إذا لم يتوبوا وأصروا على عداوتهم، فقد بين سبحانه. ما يجب على المؤمنين نحوهم في هذه الحالة فقال: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ.
أي: وإن نقضوا عهودهم من بعد أن تعاقدوا معكم على الوفاء بها.
وقوله: نَكَثُوا من النكث بمعنى النقض والحل. يقال نكث فلان الحبل إذا نقض فتله
وحل خيوطه ومنه قوله - تعالى -: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً.
وقوله: وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ معطوف على ما قبله. أي: وعابوه وانتقصوه.
وقوله: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي: فقاتلوهم فهم أئمة الكفر، وحملة لوائه. فوضع - سبحانه - الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع الضمير على سبيل الذم لهم.
وقيل: المراد بأئمة الكفر رؤساؤهم وصناديدهم الذين كانوا يحرضونهم على عداوة المؤمنين، ويقودونهم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.