وقال بعض العلماء: والمعنى أن الله قطع ما بينه وبين المشركين من صلات فلا عهد ولا تعاهد ولا سلم ولا أمان، وتركهم تعمل فيهم سيوف المؤمنين حتى يقوموهم أو يبيدوهم. ولا يدخل في هذا التبري قطع رحمته العامة عنهم التي كتبها على نفسه من جهة أنه الخالق وأنهم المخلوقون ... فهو مع هذا التبري لا يزال من هذه الجهة يرحمهم بمنح الحياة وموارد الرزق، والتمكين من العمل حسب تقديره العام وسنته الشاملة في خلقه ولو أن التبري كان على إطلاقه لما عاش كافر طرفة عين، ولما استطاع كافر أن يقف في وجه مسلم.
فالآية تقرر حكما تكليفيا للمسلمين في شأن معاملة المشركين ..
واعتبار أن الآية تقرر حكما شرعيا والمشرع هو الله أضيف صدور البراءة إليه - سبحانه - وعطف عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المقام، لأنه هو المبلغ عنه، والمنفذ لما يبلغه ..
ولما كان التعاهد بين المؤمنين وغيرهم تنفيذا لأمر الله به، وأصله حق لجماعتهم، وإنما يقوم الإمام به نائبا عن الجماعة، أضيف - أي التعاهد - إلى جماعة المسلمين، فقيل:
عاهَدْتُمْ .. وكثيرا ما ينسب القرآن الأحكام العامة لجماعة المؤمنين ...
ويؤخذ من تقرير البراءة من المشركين في هذه الآية جواز نبذ العهود لمن كان بيننا وبينه
عهد متى رأى الإمام مصلحة الأمة في ذلك، كأن خيف منهم خيانة، أو نقضوا شيئا من شروط المعاهدة، أو وضعت المعاهدة على غير شرط احترامها الشرعي، وذلك كله أخذا من هذا المقام، ومن قوله - تعالى - في سورة الأنفال: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ.
كما يؤخذ أن عقد المعاهدات إنما هو حق للجماعة، يوافق عليه أصحاب الرأي والاختصاص في موضوع المعاهدة، وما هو في مصلحة الجماعة، ثم يباشرها الإمام بعد ذلك نيابة عن الجماعة.
وقوله - تعالى -: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ... بيان للمهلة التي منحها - سبحانه - للمشركين ليدبروا فيها أمرهم.