والخلاصة: أن اشتراط الأشياء الثلاثة للكف عن قتال المشركين للتحقق من دخولهم في جماعة المسلمين بالفعل، والتزامهم شرائع الإِسلام وإقامة شعائره، إذ مقتضى الشهادة الأولى: ترك عبادة غير الله تعالى، ومقتضى الشهادة الثانية: طاعة الرسول فيما يبلغه عن الله تعالى، واكتفى من أركان الإِسلام بالصلاة التي تجب في اليوم والليلة خمس مرات لأنها الرابطة الدينية والروحية الاجتماعية بين المسلمين، وبالزكاة؛ لأنها الرابطة المالية الاجتماعية، فمن أقامهما .. كان أجدر بإقامة غيرهما.
6 - {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الذين أمرت بقتالهم وقتلهم بعد انقضاء الأشهر الحرم {اسْتَجَارَكَ} ؛ أي: استأمنك؛ أي: طلب منك الأمان والجوار ليسمع كلام الله منك، أو لحاجة أخرى .. {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ؛ أي: فأمنه حتى يسمع قراءتك لكلام الله، ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه، ونقل عن ابن عباس أنه قال: إن رجلًا من المشركين، قال لعلي بن أبي طالب: إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله، أو لحاجةٍ أخرى .. فهل نقتل؟ فقال علي: لا، فإن الله تعالي قال: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} . {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} ؛ أي: ثم أوصله إلى ديار قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم، والمعنى: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، إلا من طلب منكم الأمان، ليعلم ما أنزل الله تعالى وأمر به من دعوة الإِسلام، فإنَّ بعض المشركين لم تبلغهم الدعوة بلاغًا مقنعًا، ولم يسمعوا شيئًا من القرآن، أو لم يسمعوا منه ما تقوم به الحجة عليهم، فأعرضوا وعادوا الداعي وقاتلوه؛ لأنه جاء بتفنيد ما هم عليه من الشرك وتسفيه ما كان عليه آباؤهم منه.