وقال أبو بكر: فهذا يدل على أن كلام اللَّه يسمع من وجوه؛ فكأنه يذهب إلى مثل ما يقال: يعرف اللَّه من وجوه، على تحقيق الوجوه، فمثله كلامه واللَّه أعلم من غير توهم المعنى الذي به يعرف عن اللَّه - سبحانه - كذلك سماع كلامه.
وفي قوله: (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) دلالة أنه لم يقبل ما سمع وعرض عليه؛ إذ لو قبل لكأن يكون مأمنه هذه الدار، لا تلك، ولكان يحق عليه الخروج منها، لا العود إليها.
ثم معلوم أن كلام اللَّه هو حجته، وأن الحجة قد لزمته؛ لوجهين:
أحدهما: ما ظهر عجز الخلق عن مثله، وانتشر الخبر في الآفاق على قطع طمع المقابلين لرسول اللَّه بالرد، الباذلين مهجهم وما حوته أيديهم في إطفاء نوره، فكان ذلك حجة بينة لزمتهم.
والثاني: أن جميع ما يتلى منه لا يؤتى عن آيات إلا وفيها مما يشهد العقول على قصور أفهام الخلق عن بلوغ مثله من الحكمة وعجيب ما فيه من الحجة؛ مما لو قوبل بما فيه من المعنى وما يحدث به من الفائدة، ليعلم أن ذلك من كلام من يعلم الغيب، ولا يخفى عليه شيء ، وإذا كان كذلك صار هو بالرد مكابرًا، وحق مثله الزجر والتأديب أنه لم يفعل ألما لم يكن يضمن أمانة القبول، ولا أن يعارضه بالرد، وذلك أعظم مما فيه الحدود، فالحد أحق ألا يقام عليه، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يدعه ولا يمنعه عن العود إلى مأمنه؛ ليعلم أن حكم تلك الدار لم يزل عنه، وأنه لا تلزم الجزية إلا عن طوع أو دلالة عليه.
والثاني: أن يكون عليه حفظه إلى أن يبلغه مأمنه بدفع المسلمين عنه، وفي ذلك لزوم حق الأمان الجميع بإجارة بعض، وعلى ذلك كل مسلم.
ثم سماع كلام اللَّه يخرج على القرآن، وفيه ما ذكرت من الدلالة، وعلى سماع أوامر اللَّه ونواهيه في حق الفرض عليه، وعلى سماع حجج النبوة وآيات الرسالة والتوحيد من القرآن، واللَّه أعلم.