والوجه الثاني: أن يكون اللَّه ألفه ونظمه على ما أعجز خلقه عن مثله، فينسب إليه بما منه تأليفه على ما هو عليه، وإن كان مسموعًا من غيره؛ على ما تنسب القصائد إلى مبدعيها، والكتب إلى مؤلفيها، والأقاويل إلى الأوائل التي منهم ظهرت، وإن لم يكن الذي يقوله في الحقيقة قوله أو كلامه بما كان منه البداء الذي عليه يتكلم؛ فمثله معنى قوله:"حتى يسمع كلام اللَّه".
والثالث: أن يكون ذلك؛ لما بكلامه يعبر، وبه يوصف أن له كلامًا، وبه يرجع إلى ذلك، وإن كان اللَّه - تعالى - يجل عن الوصف لكلامه بالحروف، والهجاء، والأبعاض، ونحو ذلك، فلما كان إليه المرجع، وإن كان حد ذلك غير متوهم هنالك ولا متصور، فنسب إليه؛ كما قال اللَّه - تعالى -: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ، وقال: (خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ) ، من غير توهم كلية العالم في ذلك التراب أو النفس الواحدة؛ لما إليه مرجع الكل نسب إليه؛ فعلى ذلك أمر الكلام، وذلك على ما قيل من لقاء اللَّه والمرجع إلى اللَّه والمصير بما لا تدبير لأحد هنالك ذكر المصير إليه؛ لأن لذلك من صيرورة إليه - في الحقيقة - ورجوع لم يكن من قبل، فمثله لما قيل: كلام اللَّه.
ثم اللَّه - تعالى - يجل عن التصوير في الأوهام أو التقدير في العقول فعلى ذلك صفته بل ذلك أحق وأولى، إذ نجد صفات الخلق لا تحد ولا تصور في الأوهام ولا تقدر بها العقول، إلا من طريق القول بالحقيقة لهم على ما هن أغيار لهم، فاللَّه - تعالى - المتعالي عن التصور في الأوهام ووصفه بالعلم، والكلام، ونحو ذلك، أحق في إبطال توهم ذلك، فتدبر فيه.
وقال الثلجي: يقال: كلام اللَّه، على الموافقة، لا على الحقيقة؛ كما يقال: ذا قول فلان، وكلام فلان، وليس غيره كلام المتكلم به، فالقائل الشاهد.