ثم قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ) من غير أن يبين استجارته لماذا، يحتمل أن يكون ترك بيانه؛ لما في الجواب ذلك بقوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) ، وذلك كقوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) ، أنه في الجواب بيان ما استفتوا.
ويحتمل أن يكون ذلك لازم أن يسمع كلام اللَّه بمعنى حجته لأي وجه دخل بأمان.
وذلك قريب؛ لأنا أمرنا بالتضييق عليهم ليسلموا، فإذا أبحنا لهم الدخول للحاجات بلا غرض، تذهب منفعة التضييق، فيكون المقصود بالعهد لما يرون من آثار الإسلام، وحسن رعاية أهل الإسلام، ويسمعون حججه وما به ظهور الحق فيه، رجاء أن يجيبوا، فلذلك يؤذنون، وإن كان في ذلك قضاء حاجاتهم.
وقد روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لم يكن يقاتل حتى يدعو؛ إلى الإسلام، فيما قد كان دعاهم غير مرة، فذلك المعنى عند الأمان أولى، واللَّه أعلم.
قوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) فالأصل أن حقيقة الكلام لا تسمع بالكلام نفسه؛ إذ الذي به يؤدي حروف الكلام بما يقلب الحروف ويؤلفه ولا صوت له يسمع؛ نحو اللسان، والشفة، ونحو ذلك، وإنما يسمع بصوت يهيج من حيث الجارحة التي يتكلم وقوله فيبلغ كلامه أو حروف كلامه المسامع، فالسمع يقع على الصوت الذي به يدرك الكلام ويفهم، فصار سمع الكلام في الأصل مجازًا لا حقيقة؛ فعلى ذلك ما قيل من سماع كلام اللَّه.
ثم هو يخرج على وجوه:
أحدها: أن يسمع المعنى الذي جعل له الكلام وهو الأمر، والنهي، والتحريم والتحليل، ونحو ذلك، وذلك مما ينسب إلى اللَّه، فقيل بذلك كلام اللَّه؛ لما إليه ينسب إلى الأمر به والنهي، ونحو ذلك.